️ذات ليلة كنا مدعوين إلى بيت أحد الأقرباء، وكانت النساء مشغولات بالطبخ وإعداد الطعام عن الأطفال، وكان الرجال في الصالة قد وجد كل واحد منهم قرينه يتحادثه ويتمازحه ويتفاوضه، تاركين الأطفال يرتعون ويلعبون ويمرحون، ولم يكونوا يهتمون بهم إلا إذا سمعوا منهم بكاء أو صراخا، وكنت جالسا بجنب صاحب المأدبة نتبادل الأحاديث والأخبار ونشاهد بعض […]

️ذات ليلة كنا مدعوين إلى بيت أحد الأقرباء، وكانت النساء مشغولات بالطبخ وإعداد الطعام عن الأطفال، وكان الرجال في الصالة قد وجد كل واحد منهم قرينه يتحادثه ويتمازحه ويتفاوضه، تاركين الأطفال يرتعون ويلعبون ويمرحون، ولم يكونوا يهتمون بهم إلا إذا سمعوا منهم بكاء أو صراخا، وكنت جالسا بجنب صاحب المأدبة نتبادل الأحاديث والأخبار ونشاهد بعض المقاطع وكان رجلًا حسن الحديث، نيّر البَشرة، دائم البِشر، هادئا متينا، قد أنضجت الأيام رأيه وبيضت من لحيته.

 

بينما نحن كذلك إذ استرعى انتباهي منظر ساقني نحو التفكير والاعتبار.

 

️رأيت طفلا بين الأطفال حديث العهد بالزحف، فهو يدب على يديه وركبتيه ويأخذ كلما جلبه لونُه ومنظره بيديه الصغيرتين، ثم يمتصه ويلعقه؛ ثم يتركه ويزحف نحو شيء آخر وقع بصره عليه، ولا شأن له بأحد إلا أن يتفرس الوجوه الجديدة، ويبحث عن مصادر الأصوات الغريبة، ويدير النظر فيما حوله من الأثاث والألاعيب المتلونة الخلابة وفي كل ما يجد له فيه سلوى ومتعة.

 

ثم رأيت بعد ذلك طفلا آخر قريب العهد بالمشي، يخبط خبط عشواء، لا يتحكم على رجليه كل التحكم، فهو يتأرجح ويتعرج في مشيه، ثم إما أن يجري وإما أن يقف، ولا يستطيع بين ذلك سبيلا.

 

️ثم رأيت هذا الثاني يمكر للأول. رأيته يستطلع الظروف، فرأى أن الآباء في غفلة ولكنه راعى جانب الاحتياط، فأظهر أنه يريد أن يلاطف الأصغر فمسح رأسه، ثم انصرف ولم يحدث شيء، لم ينتبه له أحد ولم يصرخ الطفل، فعاد إليه في المرة الثانية فمسح رأسه ثم أدبر، وحقًا ظننت أنه يلاطفه ويلاعبه وأيقنت أنه لا يريد إزعاجه ولا يمسه بسوء، ثم عاد إليه في الثالثة بما قد سبق، ثم تولى مسرعا، فزاد يقيني بأنه لا يريد غير الملاطفة، ولكنه خيَّب حسن ظني فعاد إليه وأخذ ألعوبته ولم يقتنع بهذا، ثم صفع قفاه وولى هاربا، فصرخ الطفل المسكين صراخا لا يحتمل التغاغل؛ هنالك انتبه الجميع ونهى الأكبرَ أبوه ونهَره، وضمّ الثاني أبوه يلاطفه ويغازله، ويمسح رأسه ويقبّله ويفرّج عنه: “أي بنيّ مهلًا! عزيزي! حبيبي! قرة عيني! تعال خذ هذا، صه صه، مه مه، هاك هذا بنيّ!”

وظل هكذا يسكّنه ويسلّيه حتى هدأ المسكين وغاضت دموعه بعد ما فاضت؛ ثم تركه وهو يراقبه ويحرسه وترك الآخر طفله يحرسه ويراقبه وهو يعرف أن من عادته أن يوذي كل طفل يرى عجزه عن الرد والدفاع.

 

هذا المنظر دعاني إلى التفكير والاعتبار. رأيت فيما رأيت أن حب الهيمنة والتحكم على الضعيف العاجز ونهب ما عنده مودع في قرارة نفس الإنسان وطيات ضميره، وأنه مجبول عليه كما أنه خُلق ضعيفًا، هلوعًا: إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا، وكما أن الشح موجود فيه وأحضرت الأنفس الشح، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

 

️هذا وقد لقّنني وألهمني هذا الحدث البسيط الصغير المألوف دروسًا جمة.

 

️رأيت أن الكبار سنّا في تدابيرهم وحيلهم وتلاطفهم بعضهم مع بعض وإظهار الود والإخلاص والنصيحة رياء وغشًا وخدعة ومكرًا؛ و في تجبرهم وقهرهم ونهبهم وقسرهم وسيطرتهم وتحكمهم بعضهم على بعض -وليس كل ذلك إلا ليفجع القويُّ الضعيفَ والخبُّ الكريمَ فيما يملك؛ ثم يشمَت به بعد ما أوقعه فيه- ليسوا إلا كأطفال يتقاتلون ويتضاربون لأجل ألاعيب.

 

ما أشبه المشتري الخادع الذي يشتري سيارة البائع المسكين ويردف لها العيوب ثم يبخسه الثمن بطفل أكبر يخدع الأصغر ويأخذ منه سيارته البلاستيكية مقابل شوكولاتة، وما أشبه قاطع الطريق الذي يسد الجادة ويرهب المسافر ويوعده بالسلاح ثم يغتصب ما عنده بطفلين يتوعد الأكبر منهما الأصغر بالضرب ويرفع إحدى يديه ويخيفه ثم يأخذ بالأخرى كرة صغيرة جديدة اشتراها له أبوه، وما أشبه الذي يغصب أرضا لمسكين فقير مستنِدا إلى ظالم آخر يحميه موظفٍ في البلدية أو قاضٍ في المحكمة بطفل يرى أباه بجانبه في كل موقف سديد وسقيم فيبعد الطفل اليتيم عن مقعده ويقول له: تنحّ عن مكاني، ويكشر له وجهه ويغضن جبينه ويزمجر في وجهه.

 

والله ما أشبه الكبار سنّا بالصغار سنّا، من كبرت أجسادهم وارتفعت قاماتهم واتسعت أمعاءهم وصلُبت عيدانهم وازدادت أرقام أعمارهم ولكن عقولهم وأفكارهم وأخلاقهم وسلوكهم صغُرت وما كبُرت، حقُرت وما عظُمت، وضُعت وما رفُعت، لؤُمت وما كرُمت، خسّت وما جلّت.

 

يقول في ذلك الشيخ السعدي -رحمه الله-: “قد جاوزت الأربعين وما زلت طفلًا، وظلت تركض خلف الهوى واللهو وتسوقك المطامع إلى المعامع وتبعدك المطامح عن المصالح، لا تثق بعمر خائن وتغتر بألاعيب الدنيا”

 

نعم!

حقيقة مؤلمة محرجة مؤسفة -لمن ينكرها أو يصارعها أو ظل يعالجها ويقاسيها، ولكنها في نفس الوقت حلوة ممتعة مريحة لمن قبلها وهضمها- هي: أن الدنيا كلها ألاعيب يغتر بها الصغار سنّا أو عقلًا.

 

️لو علم الأطفال أن السيارات البلاستيكية والدميات والألاعيب ستتكسر وتتخرق وتُرمى ولا تغني عنهم شيئًا ولا تكون لها أي قيمة، وأنها محض سلوى وملهاة لما بالغوا في الاهتمام بها وتكريمها

ولما تقاتلوا عليها ولما استبدوا واستأثروا بها ولما احتكروها ولم يفتحوا لها في قلوبهم مكانًا؛ وكذلك الكبار سنّا والصغار عقلًا لو علموا أن الدنيا وما فيها أبخس عند الله من جناح بعوضة لما قتل بعضهم بعضا ولما سرق ولما شتم ولما كتم ولما غصب ولما نهب ولما كذب ولما جاء ولما ذهب ولما تعب، ولم يصخب ولم ينصب ولما يراء ولم يخدع، ولما شغل القوي باله ليل نهار في المكر والاستكبار.

 

️هذه أيضًا حقيقة مشاهدة لا تنكر أن القوي الغوي منا لا يزال يفكر في مماكرة الضعيف، إن كنت لا تصدق فاسمع قول الله تعالى: “وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار”.

 

لعلك ترى أني قد بالغت في وصفي وبخست حق الأطفال ولكن التشبيه لا يراد في كل الوجوه كما تعلم؛ فهناك فروق تفصل بين الأمرين منها: أن الأطفال ليسوا معاتبين مؤاخذين؛ بل العتاب والمسؤولية يتوجهان إلى الكبار والمربين، ومنها: أن الأطفال يتصرفون بمقتضى فطرتهم وجبلتهم، كما أن جبلة الكبش أن ينطح، وليس مؤاخذا لو قتل طفلا صغيرًا لا يعرف المهالك، فلا يؤاخذ الكبش بأنه نطح الطفل ولا يؤاخذ الطفل بأنه أهلك نفسه؛ بل يؤاخذ الكبير الذي أهملهما -وقد رأيت ذلك في مقطع مؤلم-؛ ولكن الكبير الذي منحه الله الفرصة والوسيلة للتعلم والتهذب والتأمل ولكنه أهمل كلها وظل طفلًا يُشغل حيزا أكبر بجسم أطول وأضخم هو المؤاخذ المعاتب المخدوع ولو خدع كل الناس على زعمه وفجعهم في سعادتهم.

 

فآه ثم آه وويل كل ويل على من كبروا سنا ولم يكبروا عقلًا وإدراكا وتحليلًا ودراسة وتمييزًا، وحسرة كل حسرة لكبار عقلًا لم ينبهوا الكبار سنّا فقط، وأسف كل أسف لآباء وأمهات تركوا أطفالهم يكبرون على ما جبلوا عليها من الصفات التي لا بد من ضبطها وإدارتها وإصلاحها، بل أشعلوا نارها بالمحاماة والتبرير، فلا يُؤمَن من الطفل الذي يعلمه اليوم أبوه وأمه أن يحتفظ بألاعيبه في الخزانة ولا يسهم الآخرين فيها أن يكون بخيل الغد ومحتكره، ولا يؤمن على هذا الطفل الذي يعلمه الكبار أن يخاصم باليد والرجل، وإن لم يستطع فبالآجر والحجر أن يُحرَم أسلوب الحوار واستشارة الكبار والحل الدقيق العميق مكان الضرب والفرار.

 

أسال الله تعالى أن يجعلنا من الكبار أهل الاعتبار، من يشعر بقلبه وعقله أن الدنيا كلها ألاعيب وأنها محض اختبار.

عبد المجيد خداداديان

  • الكاتب: عبد المجيد خداداديان