هذه قيمة الدنيا لا تعدل عندالله جناح بعوضة فما أقلها قيمة و ما أخسر طالبها؛ فلو أمعنت النظر بداية لرأيتني قلت: إن قيمة الإنسان بما يحلم؛ فانظر إذاً ما هو قیمتك فلو كان همك هي الدنيا فحسب فاعلم أنك أقل قدرا من جناح بعوضة لأن الدنيا بنصها وفصها لا تعدله فما ظنك بمن طلبها؟!

بسم الله والحمدلله والصلاة على رسول الله، أمابعد:
تأملت أحوال بني آدم فرأيت أن هناك خصلة تردي، رأيتها ولا يتفطن لها إلا من أعطي هداية من رب العالمين، ولا يصان منها إلا من وقاه الله، ومن يوقها فقد نجا، وتلك الخصلة هي طول الأمل.
فطول الأمل:
هو الاستمرار في الحرص على الدنيا ومداومة الانكباب عليها، مع كثرة الإعراض عن الآخرة(موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- ٤٨٥٧/١٠ ).
قیمةالإنسان بما يحلم:
الإنسان لا يزال يتمنى أن يتقدم أكثر فأكثر؛ وليس هذا شينًا، إذا كان في سبيل الخير ولم يلهه ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة، ولم يعتقد أن ما يتملك من متاع الدنيا هو رأس ماله؛ فقيمة المرء بما يعتقد، ولو شئت لقلت: إن قيمة الإنسان بما يحلم…
هناك آمال ذات قيمة، صاحبها يعلو. لو تحققت تلك الآمال تأتي بالخير والسعادة، وتسبب الفوز والفلاح، وقد تغير مجرى التاريخ، وهي آمال ليس الإنسان يكلف بقلعها؛ بل هي محمودة.
قال الشاعر:
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
قال ابن الجوزي: «الأمل مذموم للناس إلا للعلماء، فلولا أملهم لما صنفوا ولا ألفوا». (فتح الباری ٢٣٧/١١)
قال ابن حجر: «وفي الأمل سر لطيف؛ لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش، ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه، و عدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته». (فتح الباري ٢٣٧/١١)
وهناك نوع آخر من الآمال وهي «كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا» فالمرء إنما يؤخذ بالثانية دون الأولى، ويعاتب عليها وهي الحالقة، وهي التي تنسي الآخرة وترجح العاجلة وتهوي بالإنسان إلى مكان سحيق.
والحق أن الإنسان يحيى بآماله، وبها يستعذب المرارات، وبها يتحرك إلى الأمام، وبها يمتاز عن الأقران، وبها يفتح قلل الجبال، بها يدافع عن العقيدة والكيان، فلولاها لشاع الكسل والتهاون في الأنام، وكانت الحياة بلا ثمار.
فالأمل هو السبب الرئيسي في تكامل البشر، وهو القوة المحركة للبشرية مدى الأزمان. الأمل المقارن بالعمل والمثابرة عندما كان في سبيل عقيدة الحق يفتح البلاد، ويهزم الجيوش، ويصنع العجائب، ويحرك المشاعر، ويهز المنابر، ويسهل المتاعب، ويركب المفاخر؛ ولكن اليوم ما أبعدنا عن تلك الأهداف الحسنة.
الإنسان اليوم غره أمل يترتب عليه الغفلة والانهماك في المعاصي ونسيان الدار الآخرة، واتباع الهوى والشهوات، والظلم والبعد عن الله -جل وعلا شأنه-؛ فليس هذا أمل يُمدح، وليس صاحبه يربح. فالحذر الحذر من هذا العدو الغاشم!!
اغترار الناس بالدنيا:
الإنسان اليوم يرى السعادة في العيش الرغيد والقصر المشيد والسيارات الفخمة؛ وفي الحقيقة أن البشر اليوم يرى السعادة الحقيقية في هذه الدنيا ومتاعها. تراه لا يطيق صوم يوم واحد على ما يبدي وهو يتحمل أعباء الحياة وحده كأنه جبل لا تزلزله السيول ولا تزحزحه العواصف؛ تراه غارقا في الآمال كأنه جاء ليكون خالدا تالدا، يأخذ من الدنيا لنفسه أهبة تكفيه لمئات من السنوات، في يومه يتحسر على أمس قد فات ويدخر لغد لم يأت، وكم من غد مرجو الإتيان مُنتظَر لم يأت ولن يأتي إلی أن تأتي الساعة، وها هو حائر في يومه الذي أعطي لأيام لم يعط.
يستيقظ قبل صلاة الصبح لو كان عمله يقتضي ذلك ويمر عليه هذا الوقت المبارك، دون أن يشعر أن عليه فريضة عظيمة لا تقدر بثمن، وهي التي يسأل عنها يوم القيامة قبل أن يسأل عن شيء. يتعب نفسه لدنيا فانية، ولذة عابرة، وهدف غير مقصود، وانتهاء غير ممدوح وهو يرى أن الموتى يسكنون القبور، ويسترهم التراب؛ ولكن لا يأخذ أهبته لهذا السفر الذي ليس منه بد.
لا يدري أن كل ما يتمتع به من مرافق الحياة لا يساوي ساعة يعيشها في الجنة، أو يقر بذلك استحياء من مقال من لا يعتد بمقالهم؛ ولكنه يختار دربا ليس من ورائه مرضاة الرب.
إن هذه الدنيا خضرة حلوة كما جاء في الحديث وكأنها تتشوف لخطابها والإنسان بعد أن تمكن منها يظن أنها له وحده، فإذا بها قد مكنت الكثيرين من نفسها وکأنها لا ترد يد لامس، تلهيهم باللذات، توقعهم في المنهيات، تنبت في قلوبهم حب القصور الشامخات والسيارات والفتيات، تجعل صاحبها كأن به جِنّة، غافلا، هلوعا، منوعا، يحسب أن الدنيا باقية لاتزول، وأن الشمس لاتغرب، يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام، حتى إذا اطمأن بها ونسي الخالق المعبود، وودّ أن يعمَّر عمر نوح إذا بالدنيا أدبرت وتولت وجاءه ملك الموت، يشخص إليه بصره، وينسى لذاته وشهواته، ويدخل منزلا لیس له فیه أنيس سوى ما قدّم من عمل؛ فإن كان خيرا فيحظى بالسعادة وإن كان شرا فيتجرع الشقاوة، وليست هذه الشقاوة مصيبة عابرة تعتري ثم تزول؛ ولكنها مصيبة تحل بالمرء فتجعله خاسرا خائبا كئيبا تمتد إلى يوم القيامة، فلو علم الإنسان خطورة الحياة التي يعيشها بعيدا عن الله، غارقا في الأماني واللذات لما عاش هذا العيش ساعة.
وقفة تفكر واعتبار:
قبل عدة أيام بلغني نعي أحد الناس -ممن كنت أعرفه- وإن موته لم يكن موتا عاديا بل احترق ثم مات وخلف مالا كثيرا ورثه الوراث، فقد أدهشني ذلك الموت المهيب، رجل صرف عمره في العمل، أتعب نفسه ليلا ونهارا، لم يوفق لعبادة من خَلَقه وصوّره فأحسن صورته، ووهبه الحياة والسلامة وكثيرا من النعم، ثم بعد ذلك يظل هذا الإنسان غافلا؛ خلقه الله ولكنه تعجبه الدنيا ويعشقها وتغره الأماني.
ليس يدهشني أن الإنسان يموت؛ بل إنما أتحير عندما أرى أنه يغادر الدنيا صفر اليدين من غير تأهب في أسوأ صورة، كأنه أُخذ بذنوب اقترفها طيلة عمره، يأتيه الموت بغتة وهو علّق بالدنيا آمالا لا تنتهي.
فهذا وليد بن المغيرة قد وهبه الله نعما كثيرة فانظر كيف تغره الدنيا ويرجح الفانية على الباقية بعد أن تيقن أن هذا القرآن كلام الله ليس قول البشر ولا الشعر ولا السحر ولم يختلقه مجنون؛ بل هو من عند رب العالمين نزل به الروح الأمين. فأدع المجال للقرآن نفسه فإنه أبين وأحسن وأجمل. قال تعالى:
«ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴿۱۱﴾ وَ جَعَلْتُ لَهُ مٰالاً مَمْدُوداً ﴿۱۲﴾ وَ بَنِينَ شُهُوداً ﴿۱۳﴾ وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ﴿۱۴﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿۱۵﴾ كَلاّٰ إِنَّهُ كٰانَ لِآيٰاتِنٰا عَنِيداً ﴿۱۶﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴿۱۷﴾ إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ ﴿۱۸﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿۱۹﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿۲۰﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿۲۱﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ ﴿۲۲﴾ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اِسْتَكْبَرَ ﴿۲۳﴾ فَقٰالَ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿۲۴﴾ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ اَلْبَشَرِ ﴿۲۵﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿۲۶﴾ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سَقَرُ ﴿۲۷﴾ لاٰ تُبْقِي وَ لاٰ تَذَرُ ﴿۲۸﴾ لَوّٰاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿۲۹﴾ عَلَيْهٰا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿۳۰﴾.(سورة المدثر)
هذه الآيات أكبر واعظ ونذير لمن عرف الحق ثم جحده وأنكره واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فلنحذر كل الحذر أن تكون عاقبتنا كوليد بن المغيرة، فاعتبروا يا أولي الأبصار…!
قيمة الدنيا وقيمة طلابها:
عن سهل بن سعد الساعدي قال قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لو كانتِ الدنيا تعدلُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ».(سنن الترمذي ٢٣٢٠)
شرح الحديث:
الدُّنيا هيِّنةٌ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ وضَئيلةٌ، ولا تَعدِلُ عند اللهِ تعالى مِثقالَ ذرَّةٍ ولا تُساوِي شَيئًا، وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لو كانتِ الدُّنيا تَعدِلُ عند الله»، أي: تُساوي أو تزِنُ عند اللهِ عزَّ وجلَّ، «جَناحَ بَعوضةٍ»، أي: جَناحَ ذُبابةٍ؛ مثلًا للقِلَّة والصِّغَرِ والحَقارةِ والدَّناءةِ، «ما سقى كافِرًا منها شَرْبةَ ماءٍ»، أي: جزاءً له وعِقابًا على كُفرِه؛ فالمقصودُ: أنَّ الدُّنيا عند اللهِ هيِّنةٌ دَنيئةٌ وحَقيرةٌ، ولا تُساوي عند اللهِ أيَّ شيءٍ، ولا تُساوي حتّى جَناحَ ذُبابةٍ، ولو كانتْ تُساوي عند اللهِ أيَّ شيءٍ ما رزَق الكافِرَ فيها شيئًا، ولا حتّى سقاه شَربةً مِن ماءٍ؛ لأنَّه لا يَستَحِقُّ شَربةَ الماءِ هذه، فهو قد كفَر بمَن يَرزُقُه ويُطعِمُه ويَسْقيه، ولأنَّها لا تُساوي عند اللهِ أيَّ شيءٍ فقدْ رزَق العِبادَ كلَّهم؛ مؤمِنَهم وكافِرَهم، وأطعمَهم وسقاهم، وأخَّر حِسابَهم يومَ القيامةِ. وقيل: إنَّ الدُّنيا لِحقارتِها عند اللهِ لم يُعطِها لأوليائِه، وقد ورَد أنَّه سبحانه «يَحْمي عبدَه المؤمِنَ عن الدُّنيا كما يَحْمِي أحدُكم المريضَ عن الماء.(مصدر الشرح: الدرر السنية)
هذه قيمة الدنيا لا تعدل عندالله جناح بعوضة فما أقلها قيمة و ما أخسر طالبها؛ فلو أمعنت النظر بداية لرأيتني قلت: إن قيمة الإنسان بما يحلم؛ فانظر إذاً ما هو قیمتك فلو كان همك هي الدنيا فحسب فاعلم أنك أقل قدرا من جناح بعوضة لأن الدنيا بنصها وفصها لا تعدله فما ظنك بمن طلبها؟!
فتمسكوا بما يزيدكم قيمة، ويرفع شأنكم، وبه تطمئن قلوبكم، وتطيب نفوسكم، وما هو إلا ما شرعه الله من دين وإيمان وتقوى ورغبة في الدار الآخرة؛ ففروا إلى الله وسارعوا إلى مغفرته واسعوا إلى ذكره وسيروا في أرضه فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين.
قال الله تعالى: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّٰهِ وَ مٰا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ وَ لاٰ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلُ فَطٰالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ ﴿۱۶﴾(سورة الحديد)
قال أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي في تفسير قوله: فطال عليهم الأمد… أي: الأجل بطول أعمارهم وآمالهم. (روح المعاني )
إن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا ألقى في روعه الشوق إلى الآخرة ومن خسران العبد أنه كلما ازداد عمرا ازداد تعلقا بالدنيا واطمأن بها؛ فهذا ما نهى الله عنه فوقانا الله شر ذلك.
  • الكاتب: عبد الحمید أمیري