أما الوسطية فبمعنى التوسيط، أي: جعل الشيء في الوسط، والوسط اسم لما بين طرفي الشيء وهو المعتدل، وقد لمّح إلیه البارئ المتعال في قوله:» وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ».

بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله العدل الحکیم والصلاة والسلام على من کان منارة یستضاء بها إلى الدستور المستقیم.
أما بعد أخي القارئ! بین یدیك عجالة عن قضیة هامة شغلت أفکار الكثيرين في القرن الأخیر، وصارت وسیلة للدساسین الذین یطمعون نیل مرامهم الباطل ومکایدهم الشیطانیة بتلطیخ صورة القانون العالمي الذي یعدونه أقوى مانع یمنعهم عن تحصیل ما حددوه لأنفسهم والبشریة الجمعاء من تحکیم العقل الإنسانی واتباع الهوى، وذلك القانون هو الإسلام؛ فبدأوا بالتلطیخ والتمریغ بنسب اتهامات متعددة نحو الشریعة الإسلامیة الإلهیة، وقاموا بتعریف الإسلام على المستوى العالمي بدین التشدد والإرهاب.
في هذا المكتوب نتعرف إن شاء الله إلى منهجية الإسلام بين الجمود والتطرف، واستقامته في الاعتدال والتوسط، ولعلك قد سمعت المثل: «رب ملوم لا ذنب له»
ولكن في بداية كلامي لا بد من الاعتذار إلى الله العادل الحكيم والاعتذار إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؛ فإن الله ورسوله ليسا بحاجة إلى إثبات عدالتهما واعتدال ما شرعا؛ بل وإن قدر الله لأعلى، وإن مكانة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لأعظم من أن يثبت عدالتهما عبد مسرف جاهل! كيف لا وهو أعدل العادلين، والمصطفى –صلى الله عليه وسلم- أعدل خلق الله وأعظمهم خُلقا؟!
أما الوسطية فبمعنى التوسيط، أي: جعل الشيء في الوسط، والوسط اسم لما بين طرفي الشيء وهو المعتدل، وقد لمّح إلیه البارئ المتعال في قوله:» وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ».
قال الطبري: وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدین، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى، ولا أهل تقصیر فیه تقصیر الیهود.

بعض مظاهر الاعتدال في التشریع الإسلامي
۱- الإقرار بالمیول البشریة.
لاینکر إنسان الغرائز التي خلقها الله للبشر، وهذا یحتاج إلى الإشباع بالطرق السویة؛ لذلك جاء الدین الإسلامی بتعدیل الغرائز الإنسانیة، لا تحطیمها و القضاء علیها. قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»
۲- الجامعیة بین صلاحي الدنیا والعقبى.
یمتاز الإسلام لأنه جمع في الترغیب بین العمل للدنیا والعمل للآخرة؛ قال الله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ». وکان من دعاء الرسول -صلى الله علیه وسلم-: «اللهم أصلح لي دینی الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنیاي التی فیها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إلیها معادي». رواه مسلم
۳- تشریع العبادات.
تتمیز العبادات المشرعة المفروضة من صلاة وصیام وزکاة وحج بالیسر والسماحة وقلة التکلیف وکون المشقة فیها معتادة؛ فضلا عن فوائدها الجمة وآثارها التهذیبیة والاجتماعیة والقیام بالعبودیة لله الخالق؛ فإن لله تعالى حقوقا على عباده بل الغایة الأصلیة من الخلق الإلهي للبشرية هي عبادة الرب تبارك وتعالى کما قال سبحانه: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»
۴- ترسیخ مجالات العلاقات الدولیة.
الإسلام مستمَد من السلام؛ فالله هو السلام، وتحیة الإسلام السلام، والجنة هي دار السلام، وتحیة الله والملائکة لأهل الجنة هي السلام: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ»، والمسلمون مطالبون بتعمیم السلام ومحاربة الإرهاب الغیر المشروع لقوله تعالى: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، وقوله تعالی: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا». وحینئذ یکون لزاما التفرقة بین الإرهاب بالمعنى المطلق أو المفهوم الغربي الشامل لحق المقاومة، أو الدفاع عن البلاد والحقوق؛ فالإرهاب المحظور هو کل اعتداء على الآخرین! أما المقاومة أو الدفاع عن البلاد فهي مشروعة؛ بل واجبة، وأساس هذه التفرقة قوله تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿۸﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿۹﴾.
۵-إحكام النظام الاقتصادي.
إن معالم النظام الاقتصادي الإسلامي القائم على التوازن والاعتدال بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي واضحة ومشهورة؛ فإن نظامنا الاقتصادي يقوم على أساس الحرية الاقتصادية، ويقرّ بالملكية الفردية؛ لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ». ويقرّ الإسلام بحقوق المجتمع بجوار حقوق الأفراد؛ فللمجتمع حق في أموال الأفراد عن طريق فرض الزكاة وإخراج الصدقات وكفاية الفقراء والكفارات.
هذا بعض مظاهر الاعتدال والتوسط في الإسلام المأخوذة من كتاب «الوسطية في الإسلام» للشيخ الدكتور «وهبة الزحيلي» -رحمه الله-
دعوى الاعتدال واستغلاله في الإفراط:
في عالمنا المعاصر نرى ممن يعتبر كل تمسك بالدين في المأكل والمشرب والملبس والزينة تطرفًا في الدين، وهنا نجد أننا لو اتبعنا أهواء هؤلاء لضللنا ولتفرقت بنا السبل. قال الله تعالى: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ»
فليُعلم أننا لا نخضع للاعتدال الذي وصفه المعاندون والمفتونون بالحضارة النابعة من العقول الناقصة الملحدة، ولكن الذي نُلزم الأنفس برعايته والوقوف عند حدوده هو ما حدده الله ورسوله في الكتاب المجيد والحديث الشريف.

أخي الماجد!
لو أمعنت النظر مدققا في الحضارة الغربية لوجدت تسرب الإفراط والتفريط في هذه الحضارة. يقول العلامة الداعية السيد أبوالحسن علي الحسني الندوي -رحمه الله- في كتابه «الصراع بين الإيمان والمادية»: «ولا أجمل في وصف هذه الحضارة المتهورة وصاحبها الذي يتشبع بروحها من قوله تعالى: «لَا تُطع مَنْ اَغْفَلنَا قَبْلَهُ عَنْ ذِکرِنا واتّبَع هَوَاه وَکان أَمرُهُ فُرُطاً». فإما غلو في الديمقراطية، وإما غلو في الدكتاتورية، وإما تطرف في الشيوعية، وإما تقديس للأعراف والمثل، وفي مثل هذه الحضارة تفقد الطبائع سلامتها، والعقول استقامتها، والأمم وحدتها وألفتها» انتهى كلام الشيخ باختصار.
اعلم أن الذين يتهمون الشريعة الإسلامية بالإفراط هم المسرفون المفرطون يقصدون باتهام الإسلام براءة أنفسهم مما هم فيه حقا من الإفراط في المادية والشهوانية الحيوانية، والحروب المتلاصقة الظالمة، وإما يرون الفساد صلاحا ويسمرئون الفاسد النتن لفساد طبائعهم: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ»
فيا ابن آدم ممن يدين بالدين الإلهي القويم، وممن لم يلحق بعد بهذا الدستور السماوي! بعد أن تعرفت إلى بعض مظاهر الاعتدال في الشريعة الإسلامية الإلهية فثق بالله العدل الحكيم واعتصم بخير معتصَم.
إذا كنت في حاجة مرسلًا
فأرسل حكيمًا ولا توصهِ

  • الكاتب: للطالب: محمد ماري