يقصد بالتكافل الاجتماعي، ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[۱]، فالتكافل الاجتماعي بمفهومه الإسلامي يعنى أن تكون أفراد المجتمع متشاركين متضامنين مع بعضهم البعض، محافظين على مصالحهم العامة والخاصة، يدفعون عن بعضهم البعض المفاسد والاضرار، ليس فقط […]

يقصد بالتكافل الاجتماعي، ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[۱]، فالتكافل الاجتماعي بمفهومه الإسلامي يعنى أن تكون أفراد المجتمع متشاركين متضامنين مع بعضهم البعض، محافظين على مصالحهم العامة والخاصة، يدفعون عن بعضهم البعض المفاسد والاضرار، ليس فقط في النواحي المادية، بل المعنوية أيضاً.
وتأتي فكرة الضمان الاجتماعي في العصر الحديث، في نهاية الحرب العالمية الثانية، من منطلق أن السلام الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق في حياة الشعوب إذا ترك الفرد يواجه محنه وشدائده وحاجته، دون أن يشعر بان المجتمع من حوله على استعداد لمديد المعونة إليه وقت ضعفه ومحنته.
ومن هنا يتضح الفرق بين التكافل الاجتماعي كما بينه القرآن الكريم، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام مضت، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ۷۱]، فالتكافل الاجتماعي يعم كل فرد من أفراد المجتمع المسلم، طاعة لله ورسوله، وابتغاء الثواب من الله، في حين أن التكافل الاجتماعي الذي نادى به العرب قائم على رغبة الفرد، فهو تطوعي.
كما أن التكافل الاجتماعي في القرآن لا يقتصر على المسلمين فقط، بل يتعداهم كل بنى الإنسان على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم؛ ما داموا يعيشون بسلام داخل ذلك المجتمع، وليس بينهم وبين المسلم قتال ولا عداوات؛ من اغتصاب للأموال والدور، فأولئك يشملهم التكافل الاجتماعي القرآني، قال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: ۸].
ومن أهم مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام، كفاية المحتاجين، من غذاء أو كساء أو إيواء، فقد جعل الله تبارك وتعالى كفايتهم فرض كفاية على الأغنياء، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ۱۰۳]، وقال تعالى: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات: ۱۸-۱۹]، وهذه الآيات وغيرها تعنى بفريضة الذكاة، وفضل التصدق على المحتاجين وثمرته في الدنيا قبل الآخرة، وأن الصدقة تكون في السر وتكون في العلن وأن صدقة السر أفضل من صدقة العلن أو الجهر، ومن واجبات المربى أيضاً أن يلقن الصغير ما جاء في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ۲۶۲]، فالتكافل الاجتماعي في الإسلام يعتبر أن المحتاج له حق الإعانة على الميسور، ومن ثم لا ينبغي على الميسور أن يؤذيه بالقول أو بمجرد الإشارة، ولا يمن عليه.
ومن الوسائل الفعالة في غرس التكافل الاجتماعي لدى الأولاد أن نعطيهم أموال الزكاة أو الصدقات، ليعطوها هم للمستحقين ونبين لهم حقيقة الأمر كما علمنا الله إياه، كما ينبغي للمربين أن يذكروا الأولاد بالفقراء والمحتاجين مع ظهور النعم وفي المناسبات مثل الأعياد، ففي عيد الفطر تأتي صدقة الفطر، وقدرها زهيد يستطيع تقريباً كل فرد أن يشارك بالتكافل الاجتماعي من خلالها، وفي الأضحى تأتي الأضحية، هكذا يكون المجتمع المسلم.
كما لا يقف التكافل على الجوانب المادية فقط بل يتعداه كما أسلفنا ليشمل جميع متطلبات الحياة، ومنها نشر العلم داخل المجتمع بين أفراده، وعدم كتمان العلم عمن يطلبه، ومن مظاهره أيضاً إعانة المحتاج، وإغاثة الملهوف.
وإذا غرست أيها المربى في نفس طفلك منذ نعومة أظفاره التكافل الاجتماعي كما بينه القرآن الكريم، وعلمته القناعة والرضا برزق الله، فقد أنشأت طفلاً صحيحاً نفسياً واجتماعياً، فمعظم المشاكل التي تواجه الإنسان تكمن في المال، فمن يحرص على إعانة الآخرين وحمل همومهم، فهو إنسان ينظر للمال على أنه وسيلة وليس غاية، والعكس فمن يعتبر المال غاية في حد ذاته، هلك في بحر الطمع والأنانية والبخل وأحاطت به الهموم والغموم وألمت به الأمراض والأسقام الجسدية والاجتماعية، وهلك معه من حوله من أفراد أسرته، فهو لا يعتنى إلا بالمال وجمعه فقط، بالإضافة الفقراء والمساكين من أفراد مجتمعه، ولم يكترث هو في جمعه عن حقوق غيره، فلا يضره أكان عن طريق أخذ أموال اليتامى أو بالنصب وظلم الناس.
ولهذه الآثار المدمرة قال تعالى عن المال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: ۳۴]، وقال تعالى: ا﴿ لْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ۴۶]، وقال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾ [آل عمران: ۱۴].


[۱] [رواه البخاري “۶۰۱۱”، ومسلم “۲۵۸۶”، واللفظ له].

بقلم: محمد سلامة الغنيمي

المصدر: الالوکه