الحمدلله والصلوة والسلام علی رسول الله(صلی الله علیه وسلم)…وبعد:إنّ الله تعالی(جل جلاله) بعث رسلاً مبشرین ومنذرین منذ خلق المجتمع البشري حینما خلق آدم:[علیه السلام]وقال للملائکة«إني جاعل في الأرض خلیفة»تکمیلاً لنعمه العظیمة وها هي إبداع نوع البشر بلا مثل من قبل…وجاءت الرسل علیهم السلام بالنور والهدایة یذکرون العهد الذي أخذه الله من بني آدم أشهدهم علی […]

الحمدلله والصلوة والسلام علی رسول الله(صلی الله علیه وسلم)…
وبعد:
إنّ الله تعالی(جل جلاله) بعث رسلاً مبشرین ومنذرین منذ خلق المجتمع البشري حینما خلق آدم:[علیه السلام]وقال للملائکة«إني جاعل في الأرض خلیفة»تکمیلاً لنعمه العظیمة وها هي إبداع نوع البشر بلا مثل من قبل…
وجاءت الرسل علیهم السلام بالنور والهدایة یذکرون العهد الذي أخذه الله من بني آدم أشهدهم علی أنفسهم ألست بربکم؟قالوا بلی شهدنا أن تقولوا یوم القیامة إنّا کنّا عن هذا غفلین أو تقولوا إنّما أشرک آبائنا من قبل و کنّا ذرّیة من بعدهم.
بلی العهد التوحید والرسل علیهم الصلاة والسلام هم خیار الناس خلقاً وخُلقا ونسبا و کلّما أرسل الله(جل جلاله) رسولا أمره: أن أنذر الناس عذاب یوم عظیم وبشّرهم برحمتي ومغفرتي لمن یخاف وعید وقال الرسول(صلی الله علیه وسلم) لقومه یا قوم اعبدوا الله أي وحّدوا الله بالعبادة بدلیل مالکم من إلهٍ غیره وما أسألکم علیه من أجر إن أجری إلّا علی الله.فبعضٌ آمن به واتخذ طریقه إلی الجنة والهدی وبعضهم کفروا به و صارت النار مثوی لهم و بئس مثوی الظلمین.
کان إطار دعوت جمیع الأنبیاء منحصراً في أقوامهم لا إلی کافة الناس أجمعین و إنّ الله أراد أن یبعث للناس کلهم علی فترة من الرسل رسولا یردّ الدین إلی جوهره وحقیقته ویخرج الحیاة الإنسانیّة من الظلمات إلی النور ومن التّیه إلی الرشد.
تلک الفترة التی ظهر فیها الفساد في البرّ والبحر کما یصرّح بذلک الإمام الندوي(رحمه الله) في کتابه القیّم (ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمین):«و بالجملة لم تکن علی ظهر الأرض أمّة صالحة المزاج ولا مجتمع قائمٌ علی أساس الأخلاق والفضیلة ولا حکومة مؤسسة علی أساس العدل والرحمة و لا قیادة مبنیة علی العلم و الحکمة ولا دین صحیحٌ مأثورٌ عن الأنبیاء…
نعم،أشرق النور في لیلة ظلماء التي لا یرجی فیها نجاة المجتمع بل إصلاحها أیّ إصلاح ، من الاعوجاج الذي حبسها و سدّها عن مسیرها إلی الکمال…فها هو النور و الذي جاء بالنور نور الهدایة والصلاح والرشد لجمیع خلق الله هو محمد النبي الأمّي العربي الذي أرسله الله رحمة للعالمین (صلی الله علیه وسلم).فإن کانت الرسل تبعث إلی قومهم فمدی رسالتهم ینتهي إلی قومهم وأمّا الرسول المحترم فقد أرسل إلي الجنّ والإنس کلهم لکی یعرفوا ویعبدوا مُنعِمهم الحقیقي الذي خلقهم ولکی یُنذَروا من عذاب یوم لا ینفع مالٌ ولا بنونٌ إلّا من أتی الله بقلب سلیم ویفرحوا بمغفرته لمن آمن به وبالنور الذي جاء به وهو القرآن فمن الواجب للذي یرید أن یطالع سیرة النبي المحترم(صلی الله علیه وسلم)دراسةً وتحقیقاً أن یعرف المجتمع الجاهلي أحوالهم و اعتقاداتهم…
بعد سیّدنا المسیح(علیه السلام)وهو آخر الأنبیاء قبل الرسول المحترم(صلی الله علیه وسلم) وبعد تحریف دینه والکتاب الذي أرسل به علی ید نحو بطرس وآخرین من تلامذته القائلین والمعتقدین بعقیدة التثلیث الفاسدة وبعد هلاکٍ ومماتٍ للحیاة البشریّة في أقصی الحضارات و أدناها في هند وایران ومصرو…
لاتخلو أیّ بلدٍ وأيّ مجتمع في العالم کلها إلّا و فیها صفاتٌ رذائلُ مهلکاتٌ تعدّ عند صاحبي تلک المجتعات وأربابها علی عکس الحقیقة کأنّک تراهم وهم یفتخرون بالملکات التي نحرت البشر والإنسانیّة کحمر مستنفرة والحمر إذا رأت منحرة فرّت عنه کما فرّت من القسورة والإنسانیّة تلک ما فرّت عنها بل قبلتها واستقبلتها استقبال الأمّ الضائعة ولدها حینما رأت ولدها بعد کثیر التفحص والبحث عنه…
العرب أیضاً لیست مستثنی من هذه الحالة الغریبة العجیبة التي بها ابتلیت البشریة مجتمعاتهم،حضاراتهم وثقافاتهم اللهمّ إلّا فیها مع هذه الصفات المهلکة والأخلاق الدینیة کوأد البنات حیّة وأکل الربوا وشرب الخمر حسنة الملکات والصفات التي تعد عنه جمیع أهل الأرض کمالاًو شرفاً مثل قری الضیف وانتصار المظلوم والسخاوة والمروّة وغیرها من الصفات الکمالیّة والملکات الحسنة،قال العلّامة الشهرستاني:وکانوا یوفون بالعهد و یکرمون الجار ویکرمون الضیف.
وأمّا اعتقاد العرب والمجتمع الجاهلي قبل بعثة النبي(صلی الله علیه وسلم) في هامش صراط مستقیم«وما أصدق حکمة عمر الفاروق(رضی الله عنه)حیث قال:إنّما تنقض عری الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا یعرف الجاهلیّة» وقال العلّامة شاه وليّ الله الدهلوي(رحمه الله)في کتابه«حجة الله البالغة»:إن کنت ترید النظر في معاني شریعة رسول الله(صلی الله علیه وسلم) فتحقق أوّلاً حال الأمّیین الذي بعث فیهم…
إن نظر شخصٌ إلی العرب نظرةً عابرةً یعرف أنّها اتخذت دین إبراهیم(علیه السلام)دیناً بل وهی تفتخر به وسمّوا أنفسهم حنفآء أی:متدینین بدین إبراهیم(علیه السلام).
قال الدهلوي(رحمه الله)في بدور بازغة:والمشرکون وإن سمّوا أنفسهم حنفآء فإنّهم کانوا یشرکون بالله تعالی(جل جلاله).
و بعد إبراهیم وإسماعیل(علیهما السلام)ما بعث في ذرّیّتهما نبيّ و رسول قط إلّا رسول الله(صلی الله علیه وسلم) والعرب والعالم الجاهلي عرفوا هذا منذ سمعه بعثه وأخباره من الیهود والنصاری الذین سکنتا جزیرة العرب معرفة تامّة کاملة و لکنّهم استبعدوا ظهور النبيّ من عبدالله بن عبدالمطلّب بل من هاشم بن عبد مناف وأکثرهم ظنّوا أنّ النبيّ المبشّر من قبیلة و بطنٍ هی أشدّهم قوةً و أکثرهم أموالاً وأولاداً و أنّهم کانوا لا یعلمون أنّ الله تعالی یعلم حیث یجعل رسالته فقط،وکانوا من دین إبراهیم الإلهي تعلّموا التوحید الذي بعث الأنبیاء کافة لأجله و أنّهم لایشکّون و لایتردّدون في خالق السموات والأرض وفي مالکها بأنّ الله فقط وحده لا شریک له هو الحافظ والمالک و الخالق بل وما ملّة إلّا وهم یعتقدون بأنّ الله هو الخالق و المالک.
قال الملّا علي القاري في شرح الفقه الأکبر:فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق کما یشیر إلیه قوله(جل جلاله)»فطرة الله التي فطر الناس علیها»ویؤمي إلیه حدیث کلّ مولودٍ یولد علی فطرة الإسلام وإنّما جاء الأنبیاء لبیان التوحید و تبیان التفرید و لذا أطبقت کلمتهم و أجمعت حجّتهم علی کلمة لا إله إلّا الله و لم یؤمروا بأنّ یأمروا أهل ملتهم بأن یقولوا الله موجودٌ بل قصدوا إظهار أنّ غیره لیس بمعبود ردّاً لما توهموا و تخیّلوا حیث قالوا هؤلاء شفعاءنا عند الله و ما نعبدهم إلّا لیقرّبونا إلی الله زلفی…
وهذا درجة الأولی للتوحید و أنّه من المسلّمات والبدیهیّات عند أهل مکّة المشرکین و الیهود والنصاری و اعتقدوا أیضاًأنّ آلهتهم الباطلة مضمحلة،روی البخاري عن أبي هریرة(رضی الله عنه)قال النبي(صلی الله علیه وسلم) أصدق کلمة قالها الشّاعر کلمة لبیدٍ:ألا کلّ شیء ما خلا الله باطلٌ،وقال النووي(رحمه الله):المراد بالباطل الفاني المضمحل والمشرکون یعلمون علم الیقین بأنّ الله تعالی خالق آلهتهم الباطلة،قال الحافظ ابن کثیر:وإنّما عبد هؤلاء المشرکون معه آلهة وهم معترفون أنّها مخلوقة له عبید له کما کانوا یقولون في تلبیتهم«لبّیک لا شریک لک إلّا شریکاً هو لک تملکه وما ملک وکما أخبر(جل جلاله)عنهم في قوله:»ما نعبدهم إلّا لیقرّبونا إلی الله زلفی و لئن سألتهم من خلق السموات والأرض و سخّر الشّمس والقمر لیقولنّ الله فأنّی تؤفکون»و قال تعالی(جل جلاله) في مقام أخر:»قل من يرزقكم من السما‌ء و الأرض أمّن یملک السمع والأبصار ومن یخرج الحیّ من المیّت ویخرج المیت من الحیّ ومن یدبّر الأمر فسیقولون الله».وللمشرکین في العصر الجاهلي اعتقادات و أعمال و عبادات خالصة لله تعالی کالصلوة والزکاة والصوم والإعتکاف والحجّ و غیرها من صالح الأعمال .
قال الامام مسلم(رحمه الله)في صحیحه :قال أبوذر الغفاري (صاحب الرسول المحترم): قَالَ : وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِى قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِثَلاَثِ سِنِينَ. قُلْتُ لِمَنْ؟ قَالَ لِلَّهِ. قُلْتُ فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِى رَبِّى، أُصَلِّى عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّى خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِى الشَّمْسُ.
قال الدهلوي:و كان فيهم صوم من الفجر إلي غروب الشمس وكانت القريش تصوم عاشوراء في الجاهيّة
وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ
وأخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنه أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى نَذَرْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ « فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ».
قال العلّامة الشهرستاني: …وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ويحرمون …ويطوفون بالبيت سبعاً ويمسحون بالحجر ويسعون بين الصفا والمروة …وكانوا يلبّون إلا أنّ بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله : إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ويقفون المواقف كلها وكانوا يهدون الهدايا ويرمون الجمار ويحرمون الأشهر الحرم فلا يغزون ولا يقاتلون فيها .
إلا طي وخثعم وبعض بني الحارث بن كعب : فإنهم كانوا لا يحجون ولا يعتمرون ولا يحرمون الأشهر الحرم ولا البلد الحرام .
حسن علي الحسني