أول کلمة لا بد أن نقف علی معناها هي السعادة؛ لأن فهم الإیجابیة وأختها موقوف علیها. فما حقق السعادة و زادها فإیجابیة، وما فعل غیر ذلك فسلبیة.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام علی رسول الله -صلى اللّٰه عليه وسلم-.

قال الله تعالی: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ”. یونس۵۸

في هذه السنین الأخیرة، في عصر التکنولوجیا الذي یعاني کثیر من الناس أمراض النفس؛ تلك التي أصبحت مدار بحث کثیر من الباحثین والمحققین تکلم کثیر منهم عن الطاقات الإیجابیة والسلبیة؛ لیصلوا إلی علاج تلك الأمراض، فلما بذلوا في ذلك طاقاتهم عرفوا أن لکل شيء تأثیرا علی ما حوله، ویشمل ذلك الأفراد والأفعال والأقوال، وهکذا الحیوان والنبات وحتی الجماد والألوان.

لقد أعجب هؤلاء رأیُهم ومتبعیهم. لکنّ المؤمن الواعي العارف بدینه لا یزیده ذلك شیئا ولا یثیر إعجابه؛ حیث إنه أخبِرَ بذلك علی لسان النبي -صلی الله علیه وسلم- قبل مئات سنین، کما ورد في الحدیث: عن النبي -صلی الله علیه وسلم-: “مثل الجلیس الصالح والجلیس السوء کمثل صاحب المسك وکیر الحداد، لا یعدمك من صاحب المسك إما أن تشتریه أو تجد ریحه، وکیر الحداد یحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ریحا خبیثة”. صحیح البخاري۲۱۰۱

وهکذا عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال قال رسول الله -صلی الله علیه و سلم-: “إذا کذب العبد تباعد عنه الملك میلا من نتن ما جاء به” سنن الترمذي۴۸۴۴

وهکذا کثیر من النصوص الشرعیة لا یعجبني أن أمرّ بها سردا إلا مع تعلیق وتوضیح.

فها أنا أبدأ کلامي عن الطاقات الإیجابیة والسلبیة ما هي وأین موقف الشريعة المحمدیة منها، هل تعرضت لها أم أهملها؛ وأنّ منهجها خیر أم ما أورثت عند أهل التجربة تجربتهم؟

السعادة ما هي؟

أول کلمة لا بد أن نقف علی معناها هي السعادة؛ لأن فهم الإیجابیة وأختها موقوف علیها. فما حقق السعادة و زادها فإیجابیة، وما فعل غیر ذلك فسلبیة.

سعادة الإنسان وکل مخلوق أن یحبس فیما خلق له ویعیش أجواءًا ملائمة لطبعه وفطرته. وبالطبع کل ما یخالف طبیعته یحقق له خسرانا وخیبة في شؤونه وإن کان ضئیلا.

والأمر المهم والهدف الرئیسي في هذه السطور سعادة الإنسان والطاقات المؤثرة فیها. فأرجو الله التوفیق والسداد.

سعادة الإنسان

نظرا إلی ما کتبت عن السعادة أنها سیر کل شيء علی فطرته ووئام طینته؛ فسعادة الإنسان عندما سار في مسیرٍ خُلق له.

لا شك أن صانع کل شيء أعرف بحاله وحاجته؛ فلذا تضع المصانع دستورا للاستخدام الصحیح لما یقدمونه من الأجهزة. فالله سبحانه وتعالی خالق الإنسان أعرف وأعلم بسعادة الإنسان وبما خلق له. فلنصغ إلی کلامه المبارك: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”. الذاریات۵۶

فالعبادة هي مسیرة الإنسان التي ترتاح فیها ویعیش السعادة بها.

العبادة:

للعبادة معنی شامل لأنحاء الحیاة کلها. وللأسف غفل هذا المعنی کثیر من الناس، وزعموا أن العبادة مقتصرة في الصلاة وأخواتها وفي جراء ذلك قالوا بالفرق بین الدين والحکومة والدین وعلم النفس وبین الدین والتربیة والتجارة و…

لا ینشأ هذه الأغلوطات والخیالات إلا عن جهل أصحابها بحقیقة الدین وسیرة سید المرسلین.

إن العبادة حقا أن تکون عبدًا لله في جمیع شؤونك عملك وفکرك ومعاملتك؛ المعاملة مع الأهل أو مع الجیران أو مع الأصدقاء والحیوان و…، وأن تراعي حکم الله ورضاه في کل شأن وأن تختار الخیر في کل اختیار.

ثم قد یظن الظان أني اختلقت هذه المعاني؛ فله أنظم ما یحضرني من الأدلة:

یقول الله سبحانه وتعالی في صفات المتقین: “الذين ینفقون في السراء والضراء والکاظمین الغیظ والعافین عن الناس والله یحب المحسنین”. آل عمران: ۱۳۴

لا غرو أن الإنفاق وکظم الغیظ والعفو عن الناس کلها من الإحسان إلی الخلق، ومما یرضي الرب وبها وصف الله تعالی المتقين. ویؤکد هذا المعنی دعاء النبي -صلی الله علیه وسلم- الذي رواه الترمذي: “اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعَفُ عَنِّي”

وورد في حدیث مشهور: “الراحمون یرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض یرحمکم من في السماء”

ورد في حدیث ما یثیر الهمم نحو التقدم وکسب المهارة في المهن وجمیع الأمور، حیث یقول النبي -صلی الله علیه وسلم-: “إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ إذا عمِل أحدُكم عملًا أن يُتقِنَه”. رواه البیهقي في شعب الإیمان

وهناك حدیث یبین أعلی أنواع العبادة وهو ما رواه مسلم عن شداد بن أوس عن رسول اللّٰه -صلى اللّٰه عليه وسلم- قال: “إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”.

في بدایة هذا الحدیث أنار رسول الله -صلی الله علیه وسلم- الدرب الصحیح وهو الإحسان في کل شيء

یکفینا هذه السطیرات عن العبادة ولندع التفصیل لمن یکتب عن العبادة؛ فموضوعنا شيء آخر. لقد حصل ما أردت من أن العبادة تشمل شؤون ابن آدم کلها وهي ما خُلق ابن آدم من أجلها؛ فبالطبع سعادته فیما خلق له.

البحث عن الطاقات:

إن الله -سبحانه وتعالی- بصفته أحسن الخالقین وضع القرآن الکریم والشریعة دستورا لسعادة الإنسان؛ فطبعا کل ما أوجبه الشریعة أو استحسنت فعله، یجلب الطاقات الإیجابیة؛ وما حظرته ونهت عنه، فیُهدي صاحبه السلبیات لیبتلی بأمراض النفس والفشل و…

الطاقات الإیجابیة والسلبیة.

ثم إنّ الباحثین في هذا المجال قد بلغت دراستهم بعض مأمورات الشریعة كالصدق وحسن الکلام والإنفاق علی الفقراء وأمثالها، أنها تبث في من جاورها طاقات إیجابیة؛ فيشعرون بالسعادة. وتبين لهم أن بعض محظورات الشریعة لها طاقات سلبية تُشعر الملتبسین بها الخیبة والشقاوة وهي الکذب وسيء الکلام والظلم و…

فأما من یؤمن بهؤلاء الباحثین واکتشافاتهم، فیقعد وینظر ما یقدم له أربابه؛ لیأتي باحث بالأمر یراه مفیدا ویأتي زمیله بتکذیبه. ومثلهم کرجل اشتری جهازا یصحبه دستور صاحب المصنع، فلا ینظر فیه بل یقوم باستخدامه بأسالیب مختلفة لیصل إلی الأسلوب الصحیح. فأي حماقة أقبح من هذا؟!

وأما المسلم فعلیه أن یکون منتبها، فلا یجرب ما لا یحتاج إلی التجربة فلینظر في کتاب ربه علم الیقین ودستور الحیاة فیسعد.

وما توفیقي إلا بالله علیه توکلت وإلیه أنیب.

 

  • نویسنده: قاسم حسيني