الحمدلله وكفی و سلام علی عباده الّذين اصطفی…كثيراً ما صكّ آذانَنا خبر فشل المسلمين و انهزامهم أمام أعداءهم و هوانهم علی الّذين يريدون استئصال جذورالخير عن الأرض وتدمير المسلمين و إبادتهم عن الوجود.لعلّك سمعت أن أمريكا استخدمت قنابل في الحروب ضدّ المسلمين في البلاد الإسلاميّة أصدرت الأمم المتحدة قراراً علی تحريمها و أدّت تلك الحروب […]

الحمدلله وكفی و سلام علی عباده الّذين اصطفی…
كثيراً ما صكّ آذانَنا خبر فشل المسلمين و انهزامهم أمام أعداءهم و هوانهم علی الّذين يريدون استئصال جذورالخير عن الأرض وتدمير المسلمين و إبادتهم عن الوجود.
لعلّك سمعت أن أمريكا استخدمت قنابل في الحروب ضدّ المسلمين في البلاد الإسلاميّة أصدرت الأمم المتحدة قراراً علی تحريمها و أدّت تلك الحروب الدّامية الطاحنة إلی قتل آلاف من أبناء المسلمين و نساءهم و شيوخهم بدون أن نشاهد أيّ ردّ فعل من زعماء المسلمين و قادتهم تجاه هذه الجريمة البشعة المستهتكة . و إذا أمعنّا النظر و سلّطنا الأضواء علی الجوانب كلّها وفحصنا الأوضاع بكلّ دقّة و إرهاف و ووضعنا كلّ حادثة في بودقة البحث و النقد عرفنا أن هذه الحروب لم تكن إلّا مسلسل مؤامرات مخطّطة مدبّرة كحبّات سبحة انقـــــــطع خيــــطها لحال الأمّة و بالتالي لمستقبلها فبدأ العالم المسيحي و حلفاءه الأوفياء یفتّشون أوضاع الشرق الأوسط و بلاد المسلمين من حيث الثروات و المعادن المتنوّعة و المناطق الاستراتيجية و طبعاً الصّحوات الدينية و الحركات الإيمانية و الدعويّة و الاجتماعية يسهرون و يكدحون ليأخذوا ثأرهم عن الإسلام و المسلمين و شاهدنا أنّ هذه الحروب بدأت من أفغانستان في هذين العقدين و استمرّت حتّی اليوم و كأنّ العالم المسیحي ذئبٌ جُبلَ علی الفتك و البطش و إراقة الدماء لايهدأ إلّا بالقتل و التدمير و بالأصح إنّه ذئبٌ مكلومٌ عاد لينتقم عن غابره و عمّا رأی من الهزائم المتكرّرة الصليبية بيد نورالدّين الزّنكي و صلاح الدّين الأيّوبي و أمثالهما عبر التاريخ فلم يكتف بالدون بل غامر و جازف بكلّ قوة ليسيطر علی جميع البلدان الإسلامية و ينشب مخالبه فيها ليمتصّ خيراتها حتّی القطرة الأخيرة و لايدعها إلّا وهی أشرفت علی الموت والعالم المسيحي إرهاباً و ترويعاً للمسلمين أسّس سجوناً و معتقلات موحشة في جزر جوآنتاناما المتروكة لانظير لها في العالم للتنكيل و التّعذيب والتقارير المنتشرة تقول بأنّ أكثر المعتقلين من المسلمين تداس كرامتهم و عقيدتهم و يمكثون هنالك ماشاءاللّه أن يمكثوا و هذا عدا الجرائم الحرّبية الّتي لا تضبط و لاتحصی، و ما وصفنا من حال المسلمين و استضعافهم واستكانتهم لم يكن إلّا قطرة من بحرٍ لا شاطئَ له.
تلك الفجيعة أنست ما تقدّمها
و ما لها في قديم الدهر صنوان
لمثل هذا يذوب القلوب من كمدٍ
إن كان في القلب إسلام وإيمان
فأين الحميّة الإسلامية التي كانت تشرق في تاريخنا المجيد و تزخر بها صفحات الكتّاب و المؤلفين ؟
ليعلم المتألم و المتوجّع من أوضاع العالم الإسلامي أنّ ما ذكرناه لم يكن إلّا داءً واحداً من الأدواء الّتي يشكو منها المفكّرون و القادة الدينية بالنسبة إلی الأمّة المسلمة ، و حينما نقوم باستعراض أعمال الأمّة الإجتماعية و الفرديّة و السّياسيّة و الدينية و الخلقية، نشاهد أن هناك ثلمة و فجوة سبّبت الانحطاط و الإسفاف و أن تخبط الأمّة في مسيرها خبط عشواء ألا و هو تسارعها إلی المحارم والشّهوات ووقوعها في المهالك والمهاوي ، أمّا شباب الأمّة الّذين هم رجاء مستقبلها و اللّبنات الأولی و الرئيسة لها تأثروا بالعلمانية و الشيوعية و العنصريّة في العقيدة و الأخلاق و بالغرب في الهندام و اللّباس ، و شيوخ الأمّة المسلمة و قادتها الّذين لهم دورٌ كبيرٌ في بناء الحضارة الإسلامية السّليمة و التوجيه التربوي و القيادي نحو الآمال المنشودة ، ترسّخ فيهم حبّ المادّة و المقام فأصمّهم و أعمی أبصارهم و قلوبهم فتقاعسوا عن مسئوليّتهم و القيام بها ، و أن ترفع رأسها إلی الآخرة. في أيّ جماعةٍ نتأمّل نری أن الضعف و الفتور قد تسرّب فيها فأعرجها و عاقها عن التقدّم والرقي إلّا جماعة قامت بإحياء التعليم و التربية و جعلتهما هدفاً و غرضاً من حياتها ، فأتعبت في سبيلهما نفسها و جسمها و ضحّت بكلّ غالٍ و نفيس و لم تملّ من بذل ما تملكه ونعلم بأن ممارسة التعليم و التربية مما يشير اللّه إلی أهمّيتهما و فضلهما في كتابه حيث يقول اللّه : لقد منّ اللّه علی المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم یتلو علیهم آیاته ویزکّیهم ویعلّمهم الکتاب والحکمة (164 / آل عمران) و يعدّهما سبباً لبعثة الرّسول عليه الصلاة و السلام و ميزة خاصة للرسالة التي بعث لأجلها محمّد عليه السلام إضافة إلی ذلك أن أوّل رسالة توجّهت إلی الرّسول تصحب أهمية بالغة للتعليم و التعلّم و ترغيباً عاماً لاجتياز مدارج العلم و المعرفة للأمّة التي حرمت عن الأنبياء و الرسالات أكثر من ستمائة سنة و سرّ ذلك أنّ الضلالات و الأباطيل التي أطبقت الآفاق في تلك الفترة لم تكن تبدّد إلّا بالعلم و الاشتغال به و من ثمّ أنّ رسول اللّه عليه السّلام يفك الأسری في غزوة بدر مقابل تعليم كل واحد منهم عشرةً من المسلمين الأميّين و هذا برهان ساطع علی أن العلم يحتلّ مكاناً رفيعاً و شأناً عالياً في الإسلام و المسلمون هم مشجّعون علی ذلك بجميع مواهبهم و مؤهِّلاتهم و الآيات في فضل العلم كثيرة منها قوله تعالی : «قل هل يستوي الّذين يعلمون و الّذين لايعلمون» و قوله : و الّذين أوتوا العلم درجات و أيضاً يقرن اسم أهل العلم باسمه و الملئكة في الشهادة حيث يقول : «شهد اللّه أنّه لاإله إلّا هو و الملئكة و أولوا العلم قائماً بالقسط» .
و الأحاديث الواردة في ذلك لا يسع هذا المقال ذكرها و نحن لسنا بصدد أن نبيّن مكانة التعليم و التربية في الإسلام لأنّه من المقطوعات و المبرمات الّتي لا يقدر أحدٌ علی زحزحته عن مكانه ولكن أردنا في هذا المجال أن نضع الإصبع علی الدّاء القاتل الّذي أتی بكوارث و رزایا عدیدة و قلّل الطموحات و الكفاحات في أبناء الأمّة و آحادها و أمات فيهم روح التفاني و الإيثار و التضحية و الاعتزار بكلمة اللّه ، ألا و هو فقدان التعليم و التربية الإسلامية علی الوجه الصّحيح و الدّرب السّليم فمهما ابتعد المسلون عنهما في حياتهم و زهدوا في هذين اعتناءً و قياماً انقلب العزّ ذلاً و القوة ضعفاً و الحماسة و الشهادة في سبيل اللّه جبناً و خوفاً . امّا الدّواء الوحيد للقضاء علی البلايا النازلة هو إحياء التعليم و التربية الإسلامیة بإنشاء مدارس و جامعات إسلامية في كل ناحية من أنحاء المعمورة تلتهب فيها القوة العلمية و المعنويّة و تشتعل في قلوب الدّارسين و التلاميذ جمرة الإيمان الخامدة و توجّههم هذه الجامعات نحو الأخلاق الإسلامية الحميدة و الاتّسام بالسّمات الحميدة التالية:
كالإدبار عن الدنيا و الإقبال علي الاخرة ، سهر اللّيالي و البكاء في جوف اللّيل ، الثقة بالنفس و التوكّل علی اللّه في البأساء و الضرّاء ، التمكّن علی العلم الغزير و الفهم الكامل و الدقيق من الكتاب و السنة و تشويق الدارسين علی الفحص و البحث عن المسائل الصعبة و المعقّدة و تنبّههم علي الغزو الفكري و الثقافي المتبلور من قبل الغربيين و المستشرقين و السعي في إخماده و القضاء عليه ، فحينئذ نرجو من المجتمع الإسلامي أن يملك قيادة الإنسانية و البشرية و يهديهم إلی السعادة و الفلاح و التحرّر و التخلّص عن القيود و الأغلال التي تكون عليهم و أن تبعث في الأمّة قوة الإيمان من جديد و يتمثل رجالٌ يقول اللّه تعالی فيهم : «من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فمهنم من قضي نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلاً» .

عبدالواحد المؤمني(علیبایی)