الإنسان يحيى بفكرته وأحاسيسه، إذا كان الإنسان صاحب فكرة جيّاشة، ملتهبة، تؤثر فيه وترشده إلى مراشد أموره وتنقلب نفسيته انقلابًا عجيبًا؛ لأنّ الفكرة تمثّل قائدًا في جسم الإنسان، تقودها إلى أيّ طريقة شاءت. علينا ألا نتغافل من تغذيتها؛ لأنها إذا جاعت ولم يصل إليها طعامه الأصلي، أصبحت حيوانًا مفترسًا، ولا نستطيع أن نمسك عنانها.     […]

الإنسان يحيى بفكرته وأحاسيسه، إذا كان الإنسان صاحب فكرة جيّاشة، ملتهبة، تؤثر فيه وترشده إلى مراشد أموره وتنقلب نفسيته انقلابًا عجيبًا؛ لأنّ الفكرة تمثّل قائدًا في جسم الإنسان، تقودها إلى أيّ طريقة شاءت. علينا ألا نتغافل من تغذيتها؛ لأنها إذا جاعت ولم يصل إليها طعامه الأصلي، أصبحت حيوانًا مفترسًا، ولا نستطيع أن نمسك عنانها.

    إذا نظرنا نظرة عجلى في الجاهلية قبل البعثة النبوية، كان الناس  منغمسين في عاداتهم ورسوماتهم الجاهلية، ولا ميّزوا الحق من الباطل؛ بل التبس عليهم الأمر وزالت معايير القيم، وليس عندهم من مكارم الأخلاق إلا ما كان مرتبطًا بالعزة والأنفة، وقادتهم حميّتهم القومية، ودفعتهم إلى القتال والجدال، وأحيانًا كان يطول نزاعهم أربعين سنة، وما كان لهم القوانين والدواوين حتى يرجعوا إليها في خصوماتهم؛ بل تحكم شهواتهم وأهوائهم، وهذه هي إلاههم ومعبودهم. لا يعتقدون للنساء أي قيمة؛ بل يعاملونها معاملة الحمير والدواب، يرثونها كما يورث الأموال، لا يستطعن أن يخترن شيئًا لأنفسهن، وكانت معاملتهم مع البنات أسوأ منهن؛ حيث يحكي لنا السيد الندوي -رحمه الله-  في كتابه السيرة النبوية:

    وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد، ذكر الهيثم بن عدي- على ما حكاه عنه الميداني- أن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد، منهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة، ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤما منهم بهذه الصفات.

وكانوا يقتلون البنات، ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد أو شغله، فلا يئدها إلا وقد كبرت، وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق.

ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب، فكان يشتريهم بعض سراة العرب وأشرافهم، فصعصعة ابن ناجية يقول: “جاء الإسلام وقد فديت ثلاثمئة موءودة”.

ومنهم من كان ينذر- إذا بلغ بنوه عشرة- نحر واحدا منهم، كما فعل عبد المطلب.

ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله- سبحانه عما يقولون- فألحقوا البنات به تعالى

دعونا نلقي نظرة تحليلية على أروبيين نرى اضطراباتهم وتشكيكهم في حياتهم الدنيوية، تجتذب شهواتهم ذهابًا وإيابًا وأحيانًا يميلون إلى الزواج مع جنسهم وأحيانا يرغبون في الزواج مع الحيوانات وبعد ما يجربون  هذه الطرق ولم يصلوا إلى الاطمئنان والثبات، يحكمون أنّ الدنيا ليست مكان الأمن فيها بل لا بد أن يتخلصوا منها ويأوون إلى الانتحار وهو آخر طريق للنجاة من هذه الهموم الممتدة، لقد شرح لنا السید ندوي في كتابه الغالي “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” حالة الأوروبيين:

“…أما الأوربيون فقد حرموا أنفسهم الدين، فلم يبق لهم رادع من خلق أو وازع من دين، أو مرشد من علم إلهي يرشدهم إلى الجادة، ونسوا غاية خلقهم ومبدأهم ومصيرهم “وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ”. فاعتقدوا بطبيعة هذه العقيدة أن ليس للإنسان وراء اللذة والراحة والانتفاع المادي والعلو في الأرض وبسط السيطرة عليها -كمملكة لا سيد لها ولا وارث- والتغلب على أهلها والاستئثار بخبراتها وخزائنها، مقصد ولا غاية، فاستعملوا هذه القوة والعلم في حصول اللذات والتغلب على الناس وقهر المنافسين، وتنافسوا في اختراع الآلات التي ينالون بها وطرهم ويعجزون بها غيرهم، ولم يزل بهم ذلك حتى اختلطت عليهم الوسائط بالغايات، فاعتقدوا الوسائط غايات، وافتتنوا بالمخترعات والمكتشفات كغاية في نفسها لا لغيرها، وعكفوا عليها وتشاغلوا بها كتشاغل الصبيان باللعب والدمى، واعتقدوا أن الراحة هي الحضارة، ثم تقدموا وصاروا يعتقدون أن السرعة هي الحضارة.

ولكن إذا جاءت الشريعة المحمدية وبما معها من الأحكام والأخلاق والآداب، وكشفت النقاب من وجه القيم، وعرف الناس قيمة كل شيء، واعترفوا أنّ العقل لم يمكنه أن يحلل كل مُعقّدات العالم، بل لا بد أن يسطع عليه نور الشريعة المحمدية، كم من دولٍ وضعوا قانونًا ثم انصرفوا من رأيهم، كم من برلماناتٍ وافقوا على أمرٍ ثم رجعوا من حكمهم وحكموا على شيء أخر.

 إنّ علوم الأنبياء تنشأ من عالم لا تدرك الحواس الخمسة شيئا منه؛ لأنه ما وراء المادة، ولا نستطیع أن نشرح ذلك العالم؛ لأن لغات الأرض تعجز عن مشاعر النفوس، فكيف نريد منها أن تعبر عن عالم “ما وراء المدة”.

 جعل الله هذه الحواس لتلقي العلوم التي تشعرها وتحسها، ولا طريق للبشر إلى الاطلاع من ذلك العالم إلا بواسطة الأنبياء، وكان الرسل لا يفهمون شيئًا من عالم الغيب إلا بالوحي، كما قال الله:  “وَلَاۤ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّی مَلَكٌ، إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا یُوحَىٰۤ إِلَیَّ، قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِیرُ، أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ” سورة اﻷنعام ٥٠

العلوم الشرعية التي أنزل الله بها على رسوله، هي تغذي فكرة الإنسان، وتوجّهه إلى معالي الأمور، وتُقوّي إدراكه حتى يرى ما لا يرى الآخرون، يحكم ما لا يحكم الآخرون، ويتهدي إلى  ما لا يهتدي إليه الآخرون، ويُرشد ما لا يُرشد الآخرون

جاءت الشريعة حتى تجعل الأشياء على مكانهم الأصلي، وتحارب الإفراط والتفريط في الأمور، بل تأمر بالقسط والعدل ولا تفرّق بين الأمير والأجير، والكافر والمسلم والغني والفقير، والذكر والأنثی، كما قال الله تبارك وتعالى: “یَأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ ٰ⁠مِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَئانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟، ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ، وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ، إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ” سوره المائدة ٨.

وقد ذكر علامة “آلوسي” في تفسير هذه الآية: “اعْدِلُوا” أيُّها المُؤْمِنُونَ في أوْلِيائِكم وأعْدائِكُمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأعْداءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُكافِئُوا كَفّارَ مَكَّةَ بِما سَلَفَ مِنهُمْ، وأنْ يَعْدِلُوا في القَوْلِ والفِعْلِ، “هو” راجِعٌ إلى العَدْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، وهو إمّا مُطْلَقُ العَدْلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ العَدْلُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، وإمّا العَدْلُ مَعَ الكُفّارِ.

لا تترك الشريعة المحمدية شيئًا من حقوق الإنسانية، بل توصي أشد إيصاء ويحذّر الناس من عدم مراعاتها، حیث بسط الله أحكام الميراث والدّین بسطًا وافيًا في القرآن، وكذلك جعل الله آيات عديدة حول التعامل مع العشيرة والأقارب.

نعم!

جاء هذا الدين القيم لأن يقبض على يد الظالم قبل أن يظلم، والسارق قبل أن يسرق، والمرابي قبل أن يأكل الربا، والخائن قبل أن يخون.

لقد أتت الشريعة ليخرج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، جاءت لأن ينفخ في العالم الروح الحيوية، ويلبسه لباسًا جديدًا.

وفي الختام أوصي الطلاب الذين يسلكون طريق الأنبياء، ويدخلون في سلكهم، ألا يغفلوا من كسب العلم، بل يكبون على الدراسة والتحصيل ولا يضيعون أوقاتهم الذهبية؛ لأن العالم يحتاج إلى علومكم احتياج الطفل إلى اللبن ولا يستطيع أن يستغني عن  هذه العلوم؛ لأنها قِوامه وأساسه.

 

  • الكاتب: نعيم فاضلي