لو تصفحنا کتب التاریخ لرأینا أنه کانت للأمة الإسلامیة مکانة شامخة بین الأمم، مکانة لا تفوقها مکانة؛ ولو بحثنا عن العلة لعرفنا أن ما جعل هذه الأمة متمیزة عن الأمم الأخری عهدَ الصحابة والتابعین وتبعهم إنما هو الحب.

بسم الله الرحمن الرحیم
قال الله تعالی: «وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا».
وقال رسول الله -صلی الله علیه وسلم-: «بدأ الإسلام غریبا وسیعود غریبا؛ فطوبی للغرباء».
لو تصفحنا کتب التاریخ لرأینا أنه کانت للأمة الإسلامیة مکانة شامخة بین الأمم، مکانة لا تفوقها مکانة؛ ولو بحثنا عن العلة لعرفنا أن ما جعل هذه الأمة متمیزة عن الأمم الأخری عهدَ الصحابة والتابعین وتبعهم إنما هو الحب.
لا أنسی قصة عروة بن مسعود الثقفي إذ قال لأصحابه: دعوني آت محمدا. فقالوا له: ایته، فأتی عروة فکلمه النبي -صلی الله علیه وسلم- وهو یرمق أصحابه فما تنخم من نخامة إلا وقعت في کف رجل منهم، فدلك بها جلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ کادوا یقتتلون علی وضوءه، وإذا تکلم خفضوا أصواتهم عنده؛ فرجع عروة إلی أصحابه فقال: والله لقد وفدت علی الملوك کسری وقیصر، وما رأیت ملکا یعظمه أصحابه ما یعظم أصحاب محمد محمدا.
ولکن ما هو السبب في أن أمتنا قد أصیبت بفقدان هذه الهویة
وضیاع هذا الحب؟
لقد جنت المدنیة الحدیثة علی الإنسانیة جنایة عظیمة إذ قضت علی هذه العاطفة التي کانت قوة کبری، وملأت فراغها بالمادیة والحب الجنسي؛ فأکبر ما اهتمت به هو إطفاء الجمرة الإیمانیة التي لا تزال کامنة تحت الرماد، وتجرید المسلمین -في بلاد العرب والعجم- من الحمیة الدینیة التي تحمل أصحابها علی التضحیة والجهاد وتحمل الشدائد والمکاره في سبیل الله والثورة علی الباطل؛ فأصبح العالم العصري أشبه بجماد متحرك دائر لا قلب له ولا شعور ولا ألم عنده ولا أمل؛ إنما هو دوامة جامدة تدیرها ید قاهرة أو إرادة قاسرة.
فنری شبابنا الیوم یتبعون الغرب في جمیع الأشیاء، ولا یخطون خطوة إلا بتقلیدهم إیاها. ویبحث الفتی المسلم والفتاة المسلمة عن الحریة، ویعترضون دوما علی أن الإسلام لم یخطط للحریة أیة خطة؛ وهؤلاء المساکین لا یعرفون أن حریتهم المنشودة هي التي تؤدي إلی الهلاك وزوال اسم الإنسان عن الإنسان. وقد شاهدنا في الشبکة الدولیة أن شابا قلد شابة وأخذ بزمامها وهي تمشي علی أربع وتنبح نباح الکلاب. ورأینا أیضا أن بعض الفتیات في الدول الغربیة تقطع أیدیهن ویجعل في أفهامهن شي لا یقدرن أن ینطقن بشي، إنما هي تمثال جنسي یقضي علیها الرجل حاجته کلما أراد.
ذلك نتیجة الحریة التي جعلت الرجال یتزوجون بالرجال والنساء بالنساء. أترید الحریة؟ إذن تداس حرمتك وتصبح حیوانا لا یُعبأ بك.
یقول العلامة محمد إقبال في بیت وهو یشکو فقدان هذه الهویة: «إن الشباب المثقف فارغ الأکواب، ظمآن الشفتین، ضعیف الیقین، کثیر الیأس؛ هؤلاء الشبان أشباه الرجال ولا رجال، یبني الأجانب من ترابهم الإسلامي کنائس وأدیارا، شغفتهم الحضارة الغربیة، فمدوا إلیهم أیدیهم لیتصدقوا علیهم بخبز شعیر؛ مسلمون لکن عقولهم تطوف حول الأصنام، إن الإفرنج قد قتلوه من غیر حرب وضرب».
أیها الشاب المسلم! ألا تتخطی رقاب السنین فتری أن الدنیا کانت تحت إمرتك یوما؟ فلم کل هذا التقاعس والإحباط؟!
ألم تکن تدخل قصور الملوك فتقول في شجاعة وصراحة: «الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلی عبادة رب العباد، ومن ضیق الدنیا إلی سعتها، ومن جور الأدیان إلی عدل الإسلام»؟! فلم یتلعثم الآن لسانك أمام الطغاة والجبابرة؟!
ألم تکن تخوض المعارك فیطعنك العدو بالرمح فتقول: «فزت و رب
الکعبة»؟!
ألم تکن تجعل ظهرك ترسا لرسول الله -صلی الله علیه وسلم- فتقع النبال في ظهرك واحدا تلو الآخر ولا تتحرك حبا له -صلی الله علیه وسلم-؟! فلم أراك الآن تائها حائرا فقدت ضالتك وتبحث عنها في المادیة والحب الجنسي؟!
ألم تکن تربط بالخشب فیرمیك المشرکون بالرماح والنبال فیسألونك:بالله علیك یا خبیب! أتحب أن محمدا مکانك؟فتقول: «والله ما أحب أن یفدیني بشوکة یشاکها في رجله؟
أین حب الجهاد؟ أین الشهادة في سبیل الله؟ یقول سیدنا خالد بن الولید -رضي الله عنه-: «لأن یکون في إحدی یدي سیف وفي الأخری ترس وأکون في لیلة شاتیة مظلمة أقاتل العدو لأحب إلي أن أنکح بأجمل فتاة في الدنیا.
وهذا سیدنا حنظلة -رضي الله عنه- لیلة الزفاف یسمع منادیا ینادي: «ألا خیل الله ارکبي»، فیلبي نداءه في ساعته فیستعد للقتال ثم یستشهد في سبیل الله.
ولا ثوب البقاء بثوب عز
فیطوی عن أخي الخنع الیراع
سبیل الموت غایة کل حي
فداعیه لأهل الأرض داعي
ومن لا یعتبط یسأم ویهرم
وتسلمه المنون إلی الانقطاع
وما للمرء خیر في حیاة
إذا ما عد من سقط المتاع

اعلم أیها الأخ المسلم أننا کنا أمة ترعی الغنم، فجاء الإسلام فجعلنا أمة ترعی الأمم، فلما ابتعدنا عن
الإسلام صرنا أغناما ترعانا الأمم.

یواصل محمد إقبال فیقول: «أنا لا أری أن هذا الجیل حي قائم بنفسه یفکر بعقله؛ بل أعتقد أنه ظل للأوروبا وأن حیاته عاریة من الغرب» ویقول في قصیدة: «یتراءی لك أن الشاب المسلم حي یرزق؛ لکنه في الحقیقة میت استعار حیاته من الغرب».
وکان من أقرب طرق وصول الغرب إلی هذا الهدف هو التعلیم الذي یجرد الشاب المسلم من الروح الدیني، وینشئ فیه طبیعة النفعیة، وتقدیس المادة، وضعف الثقة بالنفس، والشك في الدین؛ لذلك یری شاعر هندي آخر: أن فرعون أخطأ الرمیة في فکرة القضاء علی بني إسرائیل، فقد التجأ في قتلهم وإبادتهم إلی طرق سافرة ألصقت به العار، وأثارت علیه اللعنات؛ فکان یقتل أبناءهم، ویستحي نساءهم لیأمن ثورة بني إسراءیل وغائلتهم في المستقبل. ولو أنه رزق شيئا من الابتکار وبُعد النظر ودقة التفکیر لاکتفی بتأسیس کلیة لبني إسرائیل ینشئ جیلًا إسرائیليًا جدیدًا کما یشاء، ویسبك العقول والطبائع سبکا لا یدع إمکانا لنشأة شاب مثقف یشعر الشعور الدیني.
لکنه لا ینبغي لنا معشر المسلمین أن نکون من القانطین، فإن جمرتنا الإیمانیة لا تزال کامنة تحت الرماد، ونحن نستطیع -إن شاءالله- أن نشعلها ثانیة؛ فإن تقدم الباطل فبضعفنا، وإن خسر العالم فبانحطاطنا. فلا بد من خطوة جدیدة تبدد هذا الظلام وتعید إلی العالم الحیاة؛ فإننا غایة هذا الکون خلق العالم لنا وخلقنا نحن لله، وإن قوتنا القاهرة لا تصدها الجبال، ولا تقف في سبیلها البحار.
وفي الأخیر أتمنی للإسلام جیلا جدیدا شبابه طاهر نقي وضربه موجع قوي، إن کانت الحرب فهو في صولته کأسد الشری وإن کان الصلح فهو في وداعته کغزال الحمی، یجمع بین حلاوة العسل ومرارة الحنظل، هذا مع الأعداء وذلك مع الأولیاء.
وهذا یتیسر إذا قوي إیمان الأمة بالتدبر في کتاب الله، والتفاني في سبیل العقیدة، والتجرید في النیة، والحب الذي یحمله بین جنبیه لإخوانه المسلمین، وکل شئ علی الله یسیر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظیم.

  • الكاتب: للطالب: خالد رسولي