جامعة أنوار العلوم (الّتي تصدر هذه المجلّة باسمها وإشرافها) تقع في قریة عریقة و أصیلة في الدّین، سبّاقة إلی إحداث أکبر جامعة إسلامیة في المنطقة وإنشاء بعض المشروعات الدینیة لتربیة أبناء المسلمین وتقدیم برامج وخطط لم یسبق لها نظیر و هذه قریة مشهورة بخیرآباد (أي معمورة بالخیر) متآخمة غرباً لمدینة تایباد تابعة لمدیریة خراسان العظیمة الّتی أنجبت رجالاً عباقرة أفذاذاً کالإمام مسلم النیسابوري و حجة الإسلام الغزالي و خراسان خراسان غنیة عن الإلمام بالتعریف و البیان لمکانتها و کونها مرکزاً تضرب إلیه أکباد الإبل في القرون الأولی لتلقّي العلوم المختلفة و نسعی في هذا المقال التعریف بهذه الجامعة و نشاطاتها ونسأل اللّه العون والتوفیق.
إنشاء الجامعة ومنشؤها:
أسّست هذه الجامعة منذ أربع و ثلاثین سنة بید العالم النحریر المفتي غلام أحمد علیبائي المشیر الأوّل و الحائز لهذا الخیر و الّذي تعلّم عند الجهابذة من العلماء کالمفتي محمود رئاسة جمعیّة العلماء في باکستان و المفتي محمود عدیم النظیر و لایشقّ غباره في إفتاء المسائل و استحضارها و صیته ذائع في بلاد الشّرق و ساعد المفتي غلام أحمد علیبائي علی هذا الخیر العظیم الشقیقان الحاجّ عبدالغفور و الحاجّ عبدالحکیم بتبرّعاتهما و إنفاقهما ما شهرهما في الآفاق وصارا کالعماد الرئیسي للجامعة و العضد الأیمن لها إلی أن لقّب النّاس الحاجّ عبدالغفور بالحاتم الطائي لسخائه النادر و سماحته الطریفة و من روائع إنفاقه حکایة یحکیها الحافظ عبدالوهّاب و هو شاهد عیان فندعه و ما یحکی : کنت جالساً في جمعٍ من العلماء ممن حشده الحاجّ عبدالغفور لیتکلّمهم عن أمر مجهولٍ لم یخبر به أحداً فإذا هوینوي أن یقف جمیع البئار المائیة و ممتلکاتها الّتي تعدّ أغنی الثروات و أغلاها في البلاط علی الجامعة و کان جازماً فی ذلک و أصرّ بتسجیله حتی أبرم فحینئذ تدّخل العلماء في الأمر و أشاروا علیه بأن یبقي من ماله شیئاً لأولاده ففعل و قصة أخری تثیر العجب و الحیرة ما قصّها الأستاذ عبدالغفار شیخ جامي إمام الجمعة في القریة من همّة الحاجّ عبدالغفور البالغة و اتّکاله وهي أنّه أمر ببناء عمارة کبیرة للطلّاب في وقت لم یکن یملک درهماً و لا دیناراً و هذه الجرأة و الإقدام لم یکن نابعاً إلّا عن إیمانه و یقینه باللّه و حنینه إلی بناء العمارة ووقفه لله و الحکایات و النّوادر في هذا الباب یطول وصفها و نکتفي بهذا القدروندعو اللّه أن یفسح قبورهما و یسکنهما جنانه.
النشاطات العلمیّة:
فروع الجامعة : الجامعة تنقسم إلی الفرعین فرع للبنین و فرع للبنات و في الفرعین یبلغ عدد الدارسین قرابة ستّمائة طالب وطالبةوفي فرع البنین تدرّس العلوم باللّغتین الفارسیّة و العربیّة،تنعقد عشرة صفوف للّغة الفارسیّة یعني إلی المرحلة العالمیّة السنة الأخیرة، و ستّة صفوف للّغة العربیّة و في السنّتین الأخیرتین یلتحق الطّلاب في القسمین معاً و في الفرعین الفارسي و العربیّ نشاهد کلّ سنة جموعاً و وفوداً یسجّلون أسماءهم للدراسة والتحصیل بشوقٍ و هفوٍ و بتوفیقٍ من اللّه أنجزت الجامعة نجاحات باهرةً في نشر العلم منذ التأسیس إلی الآن کما یلي:
الف)تخریج عدد لایستهان به من العلماء و إرسالهم إلی أنحاء المعمورة لتبلیغ الدین و الکتاب و السنة.
ب) إلزام الطّلاب بکتابة البحوث العلمیّة و تمرینهم علی الموضوعات العلمیّة و البحث عنها في کل عامٍ من الأعوام الدّراسیة باسم البحوث الصّفیة في شتّی المضامین و المواضیع و بذلک خطت الجامعة خطوة معاصرةً و سدّت ثلمة و فجوة عظیمة.
ج) و لها القدح المعلّی و النصیب الأوفر فی عقد دوراتٍ صیفیة یتعلّم فیها الطّلاب أسالیب تخریج الحدیث و المسائل الفقهیة و یتعرّف الطّلاب في هذه الدّورات بأمّهات الکتب و المراجع من التفسیر و الحدیث و الفقه و العقیدة و اللّغة و … .
د) وهناک في التألیف و الترجمة جهود حثیثة مضنیة من قبل أساتذة الجامعة حتّی وفّقوا بنشر عدید من التصانیف وترجمة کتب الکتّاب المشاهیر ما قمع و دحض کثیراً من الأباطیل و الخرافات الّتي کانت أکبر خطورة للدّین و للعقیدة الإسلامیّة و بفضل هذه التصنیفات أبیدت و فنّدت تلک العقائد الفاسدة من المنطقة وامّحت.
و الجامعة بکلّ ما أعطیت من الحول و الطول تسعی فی تقدیم أحدث البحوث العلمیة في المجالات المختلفة و تعدّ ذلک النتیجة و الثمرة من الإنشاء و التأسیس و بثّ العلم و نشره و علی هذا المنوال تدرّب الطلبة لیکونوا أصحاب الیراع و التحقیق و قادة الفکر و الإصلاح في المستقبل.
مکتبة الجامعة:
المکتبة لکلِّ جامعة قطب تدور حوله النجاحات و الإخفاقات و هي المنبع و الینبوع الّذی یتدفق منه کلّ خیر علمي و معنوي و بقدر العنایة و الإستفادة من المکتبة تترتّب الآثار و النتائج الخالدة المشرقة و لأهمیة الموضوع خصّصت الجامعة من میزانیتها السّنویة شیئاً معیّناً لشراء الکتب من المعرض الدولي المنعقد في العاصمة (طهران) سنویّاً و لهذا الجهد المبذول و السعي المستمرّ و المخطّط بلغت عناوین الکتب بأکثر من عشرة الآف عنوان و أکثر من سبعة عشر ألف مجلّد و من الجدیر بالذکر أن هذه المکتبة هي أکبر المکتبات في المحافظة و ینبغي أن نشیر إلی أن الجامعات المنسوبة إلی أهل السّنة في ایران تأتي مواردها المالیّة من إنفاق الشّعب السنّي.
الموقع الرّسمي:
الجوّ الاستعاري في العصر الرّاهن راح یلعب دوراً کبیراً في مجال الدّعوة و الإذاعات و ممّا لایستغنی عنه و لاینسی فضله في العلاقة السریعة بین الطرفین في طرفة عین فلامندوحة عن استخدامه لکثرة مشاهدیه و لکثرة القنوات الّتي تحارب الإسلام و تعادیه و تدعو إلی الزندقة و الإلحاد .
و أصحاب الجامعة لم یمهلوا و لم یتناسوا هذه المهمّة وتدارکوها ففتحوا لنشر الثقافة الإسلامیّة و تعرّف الشعب بالمسائل الدّینیة موقعاً رسمیاً بأحدث الإمکانیات و الحمدللّه حاز الموقع نجاحات في هذا المجال. و إلیکم عنوان الموقع: www.anvarweb.net
دارالتحفیظ للقرآن الکریم:
في دارالتحفیظ یُعنَی زهاء خمسین طالباً بحفظ القرآن الکریم صباحَ مساءَ ، یقومون في جوف اللّیل بساعتین و یتلون کتاب اللّه للحفظ و البقاء و هم یقومون بأداء أکبر مسئولیة ملقاة علی هذه الأمّة و حفظ القرآن الکریم منذ التأسیس إلی یومنا هذا بسبب المساعي المشکورة أربعمائة طالب و إنّ الجامعة تسعی بکلّ نشاط لتوسیع هذا الفرع ببناءاتٍ جدیدة و برامج حدیثة و استخدام الأساتذة البارعین الجادّین الصابرین.
التّخصص في القراءات:
فرع أسّس حدیثاً و بدأ نشاطُه علی المستوی العالمي و بکلّ ما أوتي من مواهب لیزدهر و یشقّ طریقه قدماً و یصل إلی هدفه المنشود و هو خدمة القرآن بأوسع أبوابه و أعمق معانیه و یتولّی هذا الفرع مقرئٌ له أوسمة عالمیّة في القراءة و منهج سلیم بدت طلائع النّجاح في عمله و طریقته و فترة التعلیم في هذا الفرع سنتان و بعدهما تعطی الشهادة الرّسمیة في القراءة للطّلاب لینشروا هذا العلم المبارک بین أبناء الأمة بثقة و اطمئنان.
النشاطات الثقافیة:
في هذا المجال حسبت الجامعة حساباً کبیراً و خطّطت لنشر الثّقافة الإسلامیة تخطیطاً واسعاً لیشمل نطاق المساعی عقر دُور المسلمین و لایقتصر في الجمعیّات و المراکز الدینیّة و الجامعات فذلک استهدفت الجامعة فی هذه المهمّة المساجد رحی الحیاة الإسلامیة و اللّبنة الرئیسة لها فأنشأت مشروع الکتاتیب لأبناء المسلمین الصغار المراهقین بکلّ دقة و إتقان طول العام الدّراسي و خاصّة في العطلة الصیفیة و بفضل اللّه وقع هذا المشروع موقع الاستحسان و القبول و نال حسناً من قبل الشّعب المسلم فغصّت المساجد بأبناء المسلمین و ازداد عددهم یوماً فیوماً و أساتذة الجامعة لدی مشاهدتهم هذه الثمرات و النتائج قاموا بتألیف کتب في التجوید و الأخلاق و السیرة و العقیدة و الفقه لاستفادة هولاء المتشوقین و المتشجعین و لتنسدّ هذه الثغرة و الثلمة.
و کفی بمشروع الکتاتیب فخراً و مباهاة في هذا المجال أنّه لم یعرف الحدود و التُّخوم بل غامر و جدّف نحو الأمام حتّی شعرالشّعب المسلم بتغییر واضح في أفلاذ أکبادهم و قرّة أعینهم في الأخلاق و المیول و النزعات و اعترفوا بذلک ذکوراً و إناثاً و من ثمّ توثقت و توطّدت علاقة هولاء المراهقین بالإسلام و بتعالیمه.
النشاطات الدّعویة:
لو بدأنا بعدّ الأهداف و الشّعارات و المناشیر لجامعة إسلامیّة، فمن طلائعها وأهمّ واجبٍ من إقامتها و تأسیسها هو الدعوة إلی الله و لاسیّما بعد مشاهدة الآیات القرآنیة نفطن أنّ الدعوة هي المفتاح الفرید و المصباح المنیر لهدایة الناس و إخراجهم من الظلمات إلی النّور و بها أمر الأنبیاء و المرسلون و هي المصدر الوحید الّذی ینثبق منه النّور و تنوّر السّبل بها و تزول الآثام و ترّق القلوب وتنتشر الخیرات فلأصالة الموضوع و عمقه و تأثیره الخطیر جعلت الجامعة الدعوة هدفاً یراد لذاته و مقصداً لامحید عنه و شمرت عن ساق الجدّ و الهمّة و رکّزت قواها علی أن تکون کلمة اللّه هي العلیا في جمیع المدن و القری فأرسلت کتائب من الطّلاب و الأساتذة في عطلة نهایة الأسبوع إلی الدّهماء و المراکز المختلفة لیعرّفوهم الدّین الصحیح و یرغبوهم إلی الأعمال و یرهّبوهم عن الذنوب و یفتّقوا فیهم القرائح الدینیة و یُشعلوا جمرة الإیمان في قلوبهم حتّی لایذوبوا في التّیار الجاهلي و في العطلة الصیفیة و عطلة الإختبارات تضاعف الجهود و النشاطات و یخرج الدّارسون لفترات أطول و لمسافات أبعد داخل المحافظة و خارجها و هم في أداء رسالتهم منشّطون مندفعون لایخافون في اللّه لومة لائم و یعدّون ذلک أعلی مراتب التّطوع و التّبرع و البرّ فتعقد لأجل خطورة هذه المهمّة و محوریّتها حفلات استشاریّة واسعة النطلاق بین المراکز الدینیة و الجامعات الإسلامیة برئاسة جامعة أنوارالعلوم، تدبّر الأمور الدعویة و تحلّل و تجزّی و ترسل الوفود للبحث عن المناطق الّتي لم تَسمع دويَّ الدّین و کانت محرومة عن العقیدة الصحیحة و بذلک ضرب أصحاب الجامعة علی الوتر الحساس و استطاعوا أن یعیدوا إلی الأمة الاعتداد بالنّفس و الثقة بالذّات و الاعتزاز بالدّین و یحولوا بینهم و بین الانتحار الدیني و التقاعس المذهبي هذا و الجامعة تری أن التقصیر و التفریط في هذا الجانب جنایة بشعة علی الأمة ودماراً علیها و الإندماج بالشعب یکون دواءً و إکسیراً للأدواء الّتي کادت أن تقضي علیه و یبیده. والسلام

مجتبی الأمتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.