قبل أن ندخلَ فِي موضوع الأخلاق لابدَّ أن نذکر أولاً معنی الأخلاق لغةً والأخلاقُ في اللغة کما ذكر صاحبُ لسان ِ العرب وقال: وفي التنزیل « وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ » والجمع أخلاق، لایکسّرُ علی غیر ذلک.
والخُلقُ والخُلُق: السّجیّة. یقال: خالصِ المُومن وخالِقِ الفاجر. و في الحدیث: « لیس شیء في المیزان أثقلُ مِن حُسنِ الخُلُقِ »
الخُلُق، بضَمّ اللام ِ وسکونِها: وهو الدّین والطبع والسّجیّة، و حقیقته أنّه لصورةِ الإنسان الباطِنَة وهِيَ نفسهُ وأوصافها ومعانیها المختصّة بها بمنزلةِ الخَلقِ لصورته الظاهرةِ وأوصافها ومعانیها ولهما أوصاف حسنة و قبیحة والثواب والعقاب یتعلّقان بأوصاف الصورة الباطنة أکثر ممّا یتعلّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تکرّرت ِالأحادیث في مدح حُسن الخُلق في غیر موضع کقوله:« مِن أکثر مایُدخلُ النُاسَ الجنّةَ تقوی الله وحُسنُ‌الخُلق وقوله:«أکملُ‌المؤمنین إیماناً أحسنُهم خُلُقاً » وقوله: إنّ العبد لیُدرک بحُسن خُلُقه درجة الصّائم القائم » و قوله « بعثتُ لأُتمّمَ مکارمَ الأخلاق» وکذلک جاءت في ذمّ سوء الأخلاق أیضاً أحادیث کثیرة. وفي حدیث عائشة رضي الله عنها « کان خُلُقُهُ القرآن » أي کان متمسّکاً به وبآدابه وأوامره ونواهیه وما یشتمل علیه من المکارم والمحاسنِ والألطاف .
وخالق الناس:عاشرهم علی أخلاقهم، قال: «خالِق الناسَ بخُلقِ حَسَن /لاتَکُن کَلباً علی النّاس یهرّ»(1)
فقه الأخلاق
الخَلق والخُلق کلمتان مشترکتان مِن حیث المادّةِ ولکِن کلّ واحدة منهما تشیر إلی معنی، الخَلق یطلق علی هیئة الظاهر للإنسان والخُلُق یطلقُ علی الباطنِ أو الصّفات الباطنیةِ أو الروحیةِ، إذا راجعنا القرآن والسّنةَ نری أنّ بینهما بَوناً شاسعاً حیثُ قال عزّ شأنه « هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ » الآیة أي یخلقکم في أرحام أمهاتکم کما یشاء من ذکر وأنثی وحَسن وقبیح ٍ وأنّ الخَلقَ إیجاد مِن جانبِ الله تعالی ولا دخلَ للإنسان فیهِ ولکن الخُلُق أمرٌ اکتسابيٌّ مثلاً إذا تمسّکَ شَخصٌ بمحاسنِ الأخلاق وکسب الدّرجات العُلی فهو یسیر فی ملکوت السمواتِ خلاف ذلک لو أمهل جانب محاسنِ الأخلاق ومکارمها وأتی بما هی مذمومٌ مِن الأخلاق کأنّهُ أخلَد إلی الأرض بدلاً أن یطیرَ في ملکوتِ السمواتِ روحاً.
وفقه الأخلاق، هو أن تذهب بالإنسان من أسفلیةِ وبهیمية إلی کمال الإنسانیةِ والرّوحیِة والملکیِة وهذا هو رأس الأمر لخَلق الإنسان وإرسال الرّسل علیهم الصّلاة والسّلام إلی البشریّةِ ومدار السعادةِ والشقاوة والفوز والخُسران وعبّر الله تعالی عن سمّوأخلاق النّبی صلی الله علیه وسلم بقوله: «إنّک لعلی خُلُق عظیم» وقالت سیدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه صلی الله علیه وسلم «کانَ خُلُقه القرآن »
وقال النّبي صلی الله علیه وسلم انّمابعثت لأتمّم مکارم الأخلاق: أي لأکمل المعانی السّامیِة للأخلاق. یظهر لکلّ ذي ضمیر واعٍ أنّ للأخلاق مکانة مرموقة في حیاة البشریّة. وبذلک ندرک مدی أهمیّة الأخلاق في تطویر مجتمعات و بیئات وانحلالها. و مِن الأخلاق ما هي دستورٌ و قانونٌ یتعاملُ النّاس علی أساسه والأخلاق هي فن التعامل بین النّاس في المصالح الخاصة والعامة، ومن جانب لو نرید بناء مجتمعِ صالحِ، ممتاز و مختار نحتاج إلی البناء الأخلاقي للفرد. ولعلنا لا نعدو الحقیقة إن قلنا بأن بناءالمجتمع الصالح والدولة العادلة والأسرة السّلیمة، کلّ هذه ترتبط ارتباطاً وثیقاً ببناء الفرد بناءً صحیحاً وصیاغته خالیة من العیوب والأدناس والأدران.
ذلک لأنّ الدولة والمجتمع والأسرة کلّها أبنیة لبِناتها وأساسها هو الأفراد، وبمقدار ما نحرز جودة هذه اللَبنات، نحرز فخامة هذه الأبنیة مِن (الدّولة والمجتمع والأسرة) و متانة أسسها وبالأخلاق یوزن الفرد أو المجتمع، ما انهارت بئیة أو مجتمع أو حضارة إلا بعد ضیاع القیم الخلقیة والرّوحیة فیهم.وما ازدهرت أمّة أو حضارة و بیئة إلّا بعد ازدهار القیم الخلقیة والمعاني السّامیة للأخلاق فيهم وبمکارم الأخلاق ترتقي أمم وأفراد وبعدمها تفشل وتضمحل أمم وأفراد، وتُطوی بساطها من الأرض وتصیر کطيِّ السجِلّ للکتب أو لم یکن شیئا ًمذکوراً، ولاتبقی إلّا ذکرها في مجری التاریخ أوثنایاالکتب.فقد ذکرالقرآن الکریم أمثلة کثیرةً من هؤلاء الأقوام (ک.عاد.ثمود،…) قد بلغوا القمة في الرقي المادي تهافتوا علی حطام الدّنیا وتنافسوا في الجاه والمنصب ونسوا تعالیم الأنبیاء أو نسوا الله فقد ذکرهم الله تعالی حیث قال: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ… الآیة وسقطوا من الملکیة (الإنسان الکامل) إلی الحیوانیةِ وقد صدق قول الله تعالی فیهم « أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»الآیة .
وبعدما انهارت المباني الخلقیة والرّوحیّة فیهم أتوا بأبشع مجازر للإنسانیة والظلمُ والطغیانُ والفسادِ فی الأرض ،وأشنع الجرائم ضد الإنسانیّة وأهلکوا النّسل والحرث ودمّروا البلاد، ولانُرید أن نذهب بكم أیها القراء الکِرام إلی القُرون الغابرة والأمم الماضیة وما منّا ببعید ما نشاهدها من مجازر للإنسانیة في العالم الإسلامي (كـسوریا وأفغانستان ،العراق وغیره …)کلّ هذه تصدُر مِن أیدي هؤلاء الأقوام الذين خرّبوا مسار البشریّة و ساقوهم إلي الانهیار الخُلُقي والرّوحي أو جعلهم علی شفا حفرة من الجاهلیّة الجهلاء والعمیاء وهذه الجاهلیّة الثانیة شهدت البشریّة أنّها ذهبوا بالإنسانیّة علی شفا حفرةٍ مِن النّار، فَکان نتیجة ذلک تَمزیقُ کرامة الإنسانیّة وأنهم عمّروا الأرضَ وماعلیها حیثُ أتوا بالأبنیة الشّامخة والبروجِ المشیّدة ، وبلغوا في التّحضر المادّي مَبلَغاً و إنتاجُ الکمالیات والإمکانیات ِالرّاقیةِ حتی أنهم ذهبوا بالإنسان إلی الفضاء والکرات الأخری وکلّ ذلک تَدُلُّ علی مَدي رقیهِم و تقدّمهم المادّي ولکِن لاطائلَ منه لأنّ البناء النّفسي کانَ خاویاً علی عروشه فلم تغن عنهم مادیتهم و رقیهم شیئا.
وهكذا ما رأیناه في المجتمع الجاهلي قبیل بعثة الرسول صلی الله علیه وسلم کانوا أقرب إلی الوحشیة منه إلی التحضّر و ما جرت العادات و التقالید والرسوم بینهم منها ما له ذکر في القرآن کـ وأد النبات قال: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ و شرب الخمور ولعب المیسر و الاعتداء علی الأخرین بالنهب والغزو و القتل کانوا یتقاتلون عن شيء تافه مادي لا یُعبأ به وهنا ندرک مدی أهمیة الدین و إرسال الرسل علیهم الصلاة والسلام .
وبعث الله تعالی محمدا صلی الله علیه وسلم إلی البشریة حینما خمدت فیهم سراج الهدایة وفي إخراج أولئک الناس الأوائل من الظلمات إلی النور و في إخراج أولئک الناس من ظلمات الجهل إلی نور الإیمان و الصلاح و الفلاح، و من هدم البناء الداخلي من انحراف و إسراف و جهل و ظلم وقتل ونهب إلی تشیید بناء آخر یختلف تماماً عن سابقه، بل تحلّوا بالفضائل ولم یسبقهم أحدٌ في الماضي ولا یسبق أحدٌ منهم في المستقبل وبلغوا إلی اُرقی مراتب الکمال الممکن للإنسانیة وطاروا في السماء روحا ً، وأصبحوا أفضل البشریة بعد الأنبیاء علیهم الصلاة والسلام و فقد رضي الله عنهم و کذلک رَضُوهُ کما قال الله تعالی: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ.
لامثیل في تاریخ الإنسانية بمثل هؤلاء الصفوة المختارة أولئک البررة الکرام هؤلاء أصحاب الفضائل والدرجات العُلی ولهم الفوز والفلاح في الدارین فقد سطعوا في سماء الأخلاق وهم نجوم الهدایة للبشریة بأجمعها أي من یرید أن یسلک درب السعادة کما قال النّبی صلی الله علیه وسلم « أصحابي کالنجوم بأیّهم اقتدیتهم اهتدیتهم » وبلغوا في مکارم الأخلاق مبلغاً لا يتصوَّر لأنهم تلمَّذوا علی معلم ِ واع ومربٍ ناصح و والد شفیق، قد وصف في التنزیل وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ »
لولا الروایات وهذه النقلة الواسِعَة عنهم في صَفحاتِ التّاریخ أو في صدور الرّجال علی الأمد البعید لما خضعتِ العقولُ المادیة في زماننا أمامها کما قال الشیخ أبوالحسن الندوي الداعیةُ الکبیر رحمه الله (أسکنه الله في فسیح جنانه ) « و کتب التّاریخ تحکي عنهم وعن أتباعهم کلّ غریب، و کلّ معجب، و لولا الآثارلسارعت النفوس إلی تکذیبه، و الشّکّ فیهِ، وهم الذینَ أنقذوا البَقیة الباقیةِ مِن الحضارةِ والمجتمع البَشَري من رسل الهمجیة والفوضی والوحوش مرّاتٍ عدیدةً وحفظوا سفینة البَشَریة من الغرق في آخرلحظَة، و فیها التراثُ الحضاريّ و کُلّ ما شاهدَ البشر في آلاف مِن السّنین، و صانوا القیم الخلقیة والمفاهیم الصالحةِ مِنَ الضّیاع والتّلَف إلی آخرالأبد»
مایمتاز الإسلام عن سائر الأدیان:
ذکرفضیلة الشّیخ ابوالحسن الندوي رحمه الله أربع میزات بارزة:
أولها: وجود هذاالکتاب العظیم المتدفّق بالحَیاة، الکفـــــــــیلُ بسعادةِ البَشَریةِ وتوجیهها، یحمل أعظم علم وأعمَقه بینَ دفّتیه، و یملِکُ أعمق تأثیرفي القلوب ِوالعقولِ،و هو ثروة البَشَریةِ العظمی، و المعینُ الذی لاینضب، والمدد الذي لایَنفَدُ، قدأحدَثَ أعظمُ ثِورةٍ في تاریخ البَشَریةِ.و یستطیع إذا أطلق له العنان و حکّم في قیادة الإنسان أعظم ثورة أخری.
والمیزة الثّانیة: هذه السّیرةُ النّبویةُ العطرةُ التي هي أجمَلُ صورة علی الإطلاق في مجموع الصُورالبَشَریة الغنیة، و أعظمُ صفحةٍ مشرقَةٍ في تاریخِ البَشَر، تعید إلی الإنسانیة کرامتها، و مکانتها،وتعید الثقة والاعتزاز في نفس الإیمان بأشرفیّة النوع الإنسانی الصورة التي لا یملک أمامها الإنسان ـ إذا لم یفقد حس الجمال وحبّ الکمال ـ إلا أن یفتخر بأنّه من نوعه و من بني جنسه و یتمنّی أن یتسامی بتقلیده للصورة التي یجد فیها کلّ إنسان قوة و سکینة، وأسوة، و قدوة، و حیاة، و توجیهاً وجوانب مشرقة تفتح منافذ جدیدة و تثیر معاني جدیدة و هذه الصورة لا تزال بملامحها و قسماتها الأصلیّة لم تطوی ید الزمان.
والمیزة الثالثة: وجود الشریعة الإسلامیة کما ترکَها صاحب الرسالة محفوظةً في أصلها و أساسِها، غنیةً في ثروتها الفقهیة، صلبةً مرنةً لا تتنازَل عن القدیم، و لا تتجهّم الجدید، لا تخجل من ماضیها، ولاتَفِّر من حاضرها، تالِدَةً، خالِدة ً، صالحة ًلِکُلّ عصر ٍو بیئةٍ، تعطی الأسس الحکمیةِ الّتی یقوم علیها مجتمعٌ جديدٌ، و حضارة ٌ صالحة ٌ.
المیزةُ الرّابعة:
وجود العاطفة الدینیة القویة في المسلمین علی علّاتهم، ومواضع الضّعف فیهم، وانقیادهم للدّعوة الدّينیة، وخضوعهم لها إذا وُجدَ الدّعاة المخلصون، وهذه قوة ٌ فقدَها وأفلسَ فیهاعامّةَ الأمم الغربیة، وهي قوة لایعرِفَ قیمتها إلاّ مَن إشتَغَلَ بالدّعوَةِ والتّجدیدِ الدّیني في أَمّة مِن الأَمم، و من رأی إخفاق هؤلاء الدّعاة في إعادَةِ الحیاة الدّينیةِ والرّوح الدّینیةِ في هذه الأُمم.(2)
علی کل لو أمعنّا النظرو تأملنا و تفکرنا ،نعترف بالحقیقة ونری انَّ الدین هو أهم رادع للبشر عن العدوان والإجحاف والقتل والنهب وکل ما هو سیئ للبشریّة.
نعم إن الدین الإسلامي قام بتهذیب الأخلاق خیر قیامٍ فقد دعا إلیها وإلی تثقیف النفوس البشریة لتعلو إلی قمة السعادة والکرامة، کما قال الله تعالی « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ » الآیة. وتتصف بالصفات العالیة و تبلغ أوج مراتب کمال الإنسانیة ولأن الدین یذهب بالإنسان من طریق الشقاوة والهلاک إلی السعادة الأبدیة والفلاح في الدارین، ومن صفات أهل الدین حسن الخُلق والسلوک مع الخالق و المخلوق والمالک و المملوک. لأنَّ الاتصال بالخالق يسعد الإنسان و يبعده عن الضّلال و البوار.
حريٌّ بالذکر أن العرب لمّا تحمّسوا في قبول الدین وما نزل من الحق وخضعوا له وتخلقوا بالأخلاق الإسلامیة تحت رایة الإسلام بزعامة محمد صلی الله علیه وسلم فتحوا البلاد والأمصار، سخّروا قلوب الشعوب والأمم، وخلّد الله ذکراهم إلی أبد الآباد، انتشر صیتهم في الآفاق و خَیَّمت سیطرتهم علی العالم.
ومن المعلوم أن بقاء الأمم بالقیم الخُلقیة فإذا لم یکن شعارها الأخلاق الحسنة فمعناها هلاکها و زوالها أو زوال کرامتها و رسالتها وبقاء ها، کما قال الشاعر (أحمد الشوقي)
إنما الأمم الأخلاق ما بقیت / فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لابدّأن نقوم من جدید بإصلاح المجتمع الإسلامي و ننفخ في أبناء الأمة روح المثابرة و المجاهدة نجتهد فی إحیاء التراث الدیني و القیم الخلقیة و الروحیة والإسلامیة إذاً نرجو أن تکرر الأیام التي شهد الرّسول صلی الله علیه وسلم لهم بالخیر(أي القرون الثّلاثة)
« وما توفیقي إلا بالله علیه توکلت وإلیه أنیب»
المنابع والإرجاعات
1ـ لسان العرب224/4
2ـ مقالات الشّیخ الندوی ص 271ج 2

ابراهیم یوسف بور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.