هنا وقفة هامة؛ نحن نشعر الآن بأن واجبنا نحو الإسلام هو أن ندافع عنه بالمال والنفس، ویتطلب هذا منا الانتباه والاستیقاظ مکان التقاعس والتناوم.

الحمد لله والصلاة والسلام علی رسول الله وبعد:
قد تکلمنا في العدد السابق عن دور المجامع الفقهیة في رفع الخلاف وضرورة هذه المجموعة في العهد الراهن، وما یجب علی العلماء الحاذقین من الانتباه أمام السیول الجارفة والتیارات الهدامة التي سددت سهامها نحو الإسلام وجذوره، وهم منذ بزوغ فجر الإسلام بدأوا یکیدون کیدًا.
قال تعالی: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ» (المنافقون٤) وهولاء من الیهود والنصاری والمجوس والملاحدة قوی الشر والفساد لم یکتفوا بالاستهتار وبث الفساد الخلقي؛ بل استخدموا کافة جهودهم المدعومة في التشکیك فکرا ونظرا، وهم شرذمة قلیلة عرفوا باسم المستشرقین في البلاد الإسلامیة، الذین لا یدینون بالإسلام دينا، ولا بمحمد -صلی الله علیه وسلم- نبیا؛ بل یتظاهرون بالإسلام لأجل مصالحهم، حتی لا یطردهم الشعب المسلم ویتمکنوا من إثارة الشکوك والشبهات الزائفة فی أفکار المسلمین ودأبهم کما قال تعالی: «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ» (بقرة١٤) وقال في مقام آخر: «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»
ثم نشا نشأة من أبناء المسلمین على أیدي الاستشراق من الذین لم یدرسوا الإسلام عقیدة وتشریعا ولم یستقوا علومه ومعارفه من مناهله الصافیة ولم یتلقوا العلوم الشرعیه من عند المشایخ والعلماء المتضلعین؛ بل سقطوا علی المصادر الضعیفة التي ألفها علماء الیهود الکائدة المحشوة بالشبه والخزعبلات، وقداحتلت هذه الکتب مکانة الکتب الصحیحة، وأصبحت وثائق علمیة معترف بها؛ والمستشرقون استفادوا من هذه الکتب المنبوذة في آثارهم ثم نشروها بنشاط ودافعوا عنها بکل حماس، ولم یبق الوضع علی هذا الحد؛ بل تربی أیضا جیل تعلموا العلم من ینابیعه الصافیة وبالمنهج الصحیح؛ لکن لم یحصلوا القواعد الأصولیة ولم تبلغ مدارکهم إلى الدقائق؛ بل ما فهموا من الحقائق والمسائل کان فهما مغلوطا کما قیل: «حفظت شیئا وغابت عنك أشیاء».
وإذا لم یستطیعوا أن یقارنوا بین المعاني والمعلومات والتمییز بین الصحیح والسقیم، أنکروا الدلائل مع خلوص نیة وسلامة طویة، وقد جاء النقص لأن هولاء لم یحصلوا علی الملکة والمناعة العلمیة، فإذا واجهوا الشبهات ذهبوا في تأویلها کل مذهب.
وهذا جزاء من آثر قراءة الکتب، ولم یلتزم التعلم عند أستاذ ماهر، وقد قيل في المثل الذي سار سائره: «لا یؤخذ العلم عن صحفي ولا القرآن عن مصحفي» أو «من اتخذ شیخه کتابًا فخطأه أکثر من صوابه»
ولو قرأ رجل کتب الطب فقط لا یصیر طبیبا ولو عکف علی دراسة الفیزیاء بإدامة النظر في الکتب لن یصیر خبیرا بالفیزیاء.
فالآن درینا أن الدین الحنیف له أعداء في الیوم کما کان بالامس وسیکون له أعداء في الغد، وبالرغم من المحاولات المکثفة للطمس نشاهد أن الإسلام یتوسع دائرته ویکثر معتنقوه، وتعود المحاولات بالنسبة والفشل والنتائج السلبیة وهذا برهان ساطع علی أن الإسلام دین حق وما وعد الله تعالی علی إظهاره ونصرة الرسل والذین معهم حق لا ریب فیه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ».
والمتیقن أن المراد من حفظ القرآن هو حفظ الإسلام ومقاصده وتشریعاته، ولا یتحقق حفظ الإسلام من غیر حفظ السنة الطاهرة التي تقید إطلاق الکتاب وتفسر مبهمه وتفصل مجمله، وقد استدل الإمام المحدث عبد الله بن المبارك بهذه الآیة على حفظ السنة حینما قیل له: «هذه الأحادیث الموضوعة کیف یکون حالها؟» فقال: «تعیش بها الجهابدة».
«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ». (الحجر۹). وفعلا قد عاشت لها الجهابذة فغربلوها ونخلوها ومیزوا بین صحیحها من سقیمها. وقال النبي -صلى اللّٰه عليه وسلم- فیما أخرجه مسلم وأحمد: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة علی الحق لا یضرهم من خالفهم حتی تقوم الساعة» وقال أیضا: یحمل هذا العلم من کل خلف عدوله ینفون عنه تحریف الغالین وانتحال المبطلین وتأویل الجاهلین». وهولاء هم المجددون في کل عصر الذین یصلحون ما أفسد الناس ویحیون ما أمات الناس وهم نخبه العلماء المتضلعون بالعلوم المتحمسون لدينهم والمعتزون بعقیدة یذبون عن ثغور الإسلام والبتة هم المجددون الذین مهمتهم تنقیة الإسلام من التحریف الذي یتحمله الغلاة والتأویل الذي یقدمه الجهلة وانتحال الملاحدة وأهل الأهواء والمذاهب الباطلة.
فیا إخوتي القراء:
هنا وقفة هامة؛ نحن نشعر الآن بأن واجبنا نحو الإسلام هو أن ندافع عنه بالمال والنفس، ویتطلب هذا منا الانتباه والاستیقاظ مکان التقاعس والتناوم.
وبالتالی نصرخ بهذه الصرخة «انتبهوا یا معشر العلماء ویا ملح البلد! أدرکوا الأمة قبل أن تتأسى بالیهود والنصاری، وقبل أن تنغمس في الأوهام والخزعبلات والإسرائیلیات التي موّهتها أیدس الدخلاء قبل أن تُکدر وجهَ الإسلام النقي!
فهذا نداء وهل یلبي أحد ممن
یهمه دینه وعقیدته وسیادته؟
نسأل اللّٰه المولى القدیر أن یمن علینا حالیا بأن نستفید من آثارهم کما اکرمنا بوجودهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلی اللّٰه علی سیدنا محمد وعلی آله وأصحابه ومن والاه.

 

  • الكاتب: عبد الواحد عليبايي