بحثنا في الحصة الأولی أنّ المتصوفین لو لم یصرّوا علی منهج عملي خاصّ ونقطع النظر عن مصطلح التصوف والإلحاح علی اسم خاصّ لارتفع الخلاف وقلنا إن التصوف هي التزکیة والإحسان وهي إحدی أرکان مسئولیته صلی الله علیه وسلم التي بعث بها « یتلو علیهم آیاته ویزکیهم ویعلمهم الکتاب والحکمة». ونعترف أن لبعض الصوفیة شطحیات لا تکاد تدرک ولا نسمح لأنفسنا أن تخوض هذا البحر الهائل العبّاب ونحسن الظن بما أرادوا من مصطلحاتهم الخاصة بهم کما قال أحدهم إن الصوفیة تواضعوا علی ألفاظ اصطلحوا علیها وأرادوا بها غیر المعاني المتعارفة منها فمن حمل ألفاظهم علی معانیها المتعارفة بین أهل العلم کفر. نص علی ذلک الإمام الغزالي في بعض کتبه.
ولحمل ألفاظهم علی ظواهرها شنّ الغارة علیهم الشیخ ابن تیمیة في کتابه «الفرقان بین أولیاء الرحمان وأولیاء الشیطان ».
ولسنا نزکي علی الله أحدا ولاشک أن في کل فرقة وجماعة یوجد أفراد یتحرفون عن سبیلها ویجاوزون حدودها وأصولها ونحن بمعزل عنهم حین نبحث عن نهج تربوي خاص ونعرف کل نحلة وشرعة بتعلیماتها لا بالأشخاص وما تفردوا به ولا نحکم بما تفرد به واحد منهم علی الجمیع وأخذنا أقوالاً من الصوفیة وننقلها من کتاب التعرف للکلاباذي حتی تقف أنهم ما قالوا شیئا یوجب تنقیصهم والنیل منهم ولم ینحرفوا عن مسلک الصالحین والسلف من الصحابة والتابعین .
قولهم فی التوحید :
1_ اجتمعت الصوفیة علی أن الله واحد أحد فرد صمد ـ قدیم عالم ـ قادر حي سمیع بصیر عزیز عظیم جلیل کبیر جواد رئوف متکبر جبار باقٍ أول إله سید مالک رب رحیم مرید حکیم متکلم خالق رازق موصوف بکل ما وصف به نفسه من صفاته مسمی بکل ما سمی به نفسه لم یزل قدیما بأسمائه وصفاته غیر مشبه للخلق بوجهٍ من الوجوه لا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات لا یجري علیه شيء من سمات المخلوقین الدالة علی حدثهم لم یزل سابقا متقدما للمحدثات ـ موجودا قبل کل شيء ـ لا قدیم غیره ولا إله سواه.
قولهم في القرآن :
أجمعوا أن القرآن کلام الله تعالی علی الحقیقة وأنه لیس بمخلوق ولا محدث ولا حدث وأنه متلوّ بألسنتنا، مکتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا غیر حال فیها کما أن الله تعالی معلوم بقلوبنا مذکور بألسنتنا معبود في مساجدنا غیر حالّ فیها .
و أجمعوا علی أنه لیس بجسم ولا جوهر ولا عرض.
قولهم في الرؤیة:
أجمعوا علی أنّ الله تعالی یری بالأبصار في الآخرة و أنّه یراه المؤمنون دون الکافرین، لأنّ ذلک کرامة من الله تعالی لقوله: «للذین أحسنوا الحسنی وزیادة».
وأجمعوا أنّه لایری في الدنیا بالأبصار ولا بالقلوب إلّا من جهة الإتقان،لأنّه غایة الکرامة وأفضل النعم، ولایجوز ذلک إلا في أفضل المکان ولو أعطوا في الدنیا أفضل النعم، ألم یکن بین الدنیا الفانیة والجنّة الباقیة فرق ولما منع الله سبحانه وتعالی کلیمه موسی علیه السلام ذلک في الدنیا وکان من هو دونه أحری.
وإن الدنیا دار فناء ولایجوز أن یری الباقي في الدار الفانیة.
قولهم في ما کلّف الله البالغین: وأجمعوا أنّ جمیع ما فرض الله علی العباد في کتابه وواجبه رسول الله صلی الله علیه وسلم فرض واجب و حتم لازم علی العقلاء البالغین لایجوز التخلف عنه ولا یسع التفریط بوجه من الوجوه لأحد من الناس من صدیق وولي وعارف و إن بلغ أعلی المراتب وأعلی الدرجات وأشرف المقامات وأرفع المنازل، وأنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشریعة من إباحة ما حظر الله أو تحلیل ما حرم الله أو تحریم ما أحل الله أو سقوط فرض من غیر عذر ولا علة ـ والعلة والعذر : ما أجمع علیه المسلمون وجاءت به أحکام الشریعة ـ من کان أصفی سراً وأعلی رتبة وأشرف مقاماً فإنه أشد اجتهادا وأخلص عملا وأکثر توقیاً .
هذا ما یعتقده زعماء الصوفیة وما نشأ من بعض الصوفیة الجاهلة في العصر الحدیث من إسقاط التکالیف الشرعیة فلیس بشيء وما قال به أحد من کبارهم وإنها ضلالة عمیاء نشأت من بعض من ینتسبون إلی التصوف انتساباً باطلاً وحاربها ممثلو التصوف في کل عصر وبیئة .
قولهم في الشفاعة :
وأجمعوا أن الإقرار بجملة ما ذکر الله في کتابه وجاءت به الروایات عن النبي صلی الله علیه وسلم في الشفاعة واجب لقوله تعالی : «ولسوف یعطیک ربک فترضی»، و «عسی أن یبعثک ربک مقاما محمودا » و « ولایشفعون إلا لمن ارتضی ». وقال النبي صلی الله علیه وسلم : « شفاعتي لأهل الکبائر من أمتي » ، وقوله صلی الله علیه وسلم: «اختبأت دعوتي الشفاعة لأمتي». وأقروا بالصراط وأنه جسر یمد علی جهنم وقرأت عائشة رضي الله عنها : « یوم تبدل الأرض غیر الأرض» قالت : فأین الناس یومئذ حینئذ یا رسول الله؟ فقال: علی الصراط. وأقروا بالمیزان وأن أعمال العباد توزن کما قال تعالی: «فمن ثقلت موازینه فأولئک هم المفلحون». وإن لم یعلموا کیفیة ذلک وقولهم في هذا وأمثاله مما لا یدرک العباد کیفیته آمنّا بما قال الله علی ما أراد الله وآمنّا بما قال رسول الله صلی الله علیه وسلم علی ما أراد رسول الله صلی الله علیه وسلم.
معنی وجدهم :
هو ما صادف القلب من فزع أو غم أو رؤیة معنی من أحوال الآخرة أو کشف حالة بین العبد وبین الله عزوجل.
قالوا هو سمع القلوب وبصرها، قال الله تعالی: «فإنها لا تعمی الأبصار ولکن تعمی القلوب التي في الصدور»، «أو ألقی السمع وهو شهید».
فمن ضعف وجده تواجد، والتواجد ظهور ما یجد في باطنه علی ظاهره، و من قوي تمکن فسکن .
وقال سبحانه : « وتقشعر منه جلود الذین یخشون ربهم ثم تلین جلودهم وقلوبهم إلی ذکر الله»، وقال النوري : « الوجد لهیب ینشأ في الأسرار ویسنح عن الشوق فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلک الوارد».
فهذه الأقوال مما أجمعوا علیه کتبناها لتقف علی أنهم ما ضلوا وأضلوا وإن مذهبهم ومسلکهم لم یعارض ما علیه السلف الصالح سواء في الاعتقادات أو الأحکام الشرعیة العملیة والأخلاقیة وترکت کثیراً من أقوالهم مما یتعلق بالعبادات والمعاملات و… لئلا یمل القاري، وهذا النموذج یکفیه أن یرشد إلی اعتقادهم وعملهم والله المستعان.

المنابع و الإرجاعات
1_ التعرف بمذهب أهل التصوف، أبوبکر محمد بن إسحاق الکلاباذي
2_ الفرقان بین أولیاء الرحمن وأولیاء الشیطان لابن تیمیة


محمود السروري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.