یمر الإنسان في حیاته بعدد من المراحل الحیاتیة المختلفة وفقاً للتدبیر الإلهي، فحیناً في ضعف، وآخر في قوة، وبعده نهایة؛ فتبدأ حیاته في بطن أمه جنینا، فهو یحتاج لرعایة وحمایة شدیدة؛ حتی یتمّ بقاءه في رحم أمه، ثمّ یولد رضیعاً في ضعف شدید، فإن عومل معاملة قاسیة لم یکن لدیه في هذه الدنیا الواسعة […]

    یمر الإنسان في حیاته بعدد من المراحل الحیاتیة المختلفة وفقاً للتدبیر الإلهي، فحیناً في ضعف، وآخر في قوة، وبعده نهایة؛ فتبدأ حیاته في بطن أمه جنینا، فهو یحتاج لرعایة وحمایة شدیدة؛ حتی یتمّ بقاءه في رحم أمه، ثمّ یولد رضیعاً في ضعف شدید، فإن عومل معاملة قاسیة لم یکن لدیه في هذه الدنیا الواسعة مقام للبقاء، ولا یطعم ولا یشرب إلا بمساعدة الآخرین؛ ثم یدخل في الطفولیة مدرکا لما یدور حوله ویرسم شخصیته، فیتعلم کلما یحتاج إليه للرفاهية والغنی عن الآخرین عن طريق ما یمرّ بحواسه الخمس، فبعده یدخل في شبابه وهو أشدّ قوّته، ویمتلك أسباب الفخر والتعالي، ویزدهر الإنسان في هذا السن، ویترعرع في مناه المختلفة، ویسبح في تحقیق آماله العدیدة، ویتلألأ تلألؤ البدر الکامل، ومع الأسف الشدید تدوم هذه المرحلة في الحیاة دوام الندی أمام الشمس، فتشِبّ نار ازدهاره ورقیّه یوماً فیوما ووقودها نفسه ویعطي مصروفه عن جسمه وحیاته، ثمّ یدخل في مرحلة الشیخوخة کما اصطلح الناس؛ ولکن یقول العلماء بأن خلایا الموجودات الحیة تشیخ منذ بدایة حیاته، ویصیر  مرمی الأسقام العدیدة واحدة تلو الأخری ومرعی خصب لأشکال مختلفة من الأمراض المختلفة، ووسائل الإعلام العامّة ترسم مرحلة الشیخوخة في أذهان مخاطبیها علی نوعین:

    …مرحلة مشمئزة تری فیها المسنین في ضعف شدید وحاجة ماسة إلی الآخرین للقيام بأعمالهم الفردیة، وهم لا یقومون بواجباتهم الشخصیة فضلا عن القیام بعمل ینفع المجتمع، بل العجوز هو کَلّ علی المجتمع ویعیش في دار العجزة.

…وقسم آخر هم الذین یلبسون أثواب الریاضة ویعدون حیث لا یری في حیاتهم أيّة آیة من آیات الهرم، ونری دأب الإسلام معتدلا في هذا الموضوع؛ حیث جعل الهرم والشیخوخة قسما طبیعیا لحیاة کلّ حي یأتي علیه بعد أشدّ قوته، وهي من التدبیر الإلهي، ولابدّ منها والإنسان في هذا السن یحمل تجارب عدیدة لا تعدّ ولا تحصی، وعلی المجتمع أن یهتم بالمسنین غایة الاهتمام ؛فتلك الفئة من الآباء والأجداد هم الذین ضحوا بعمرهم، وصحتهم، وفكرهم من أجل أن تظل عجلة الحياة سائرة نحو الأمام، وقد أصبح واجب رعايتهم ضرورة تحتمها القيم وتدعمها القوانين.

يقول الله تبارك وتعالى: “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً”.

لقد عُني الإسلام بمرحلة الشيخوخة، وهي مرحلة طبيعية من مراحل حياة الإنسان، فقد أشار سبحانه وتعالى إلى المرحلة الجنينية، والمرحلة الطفولية، ومرحلة بلوغ الأَشُدِّ، وتشمل مرحلة الشباب والكهولة، ثم مرحلة الشيخوخة.

فذلك قول الله عز وجل: “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”. النحل:٧٨.

ومن الشيخوخة مرحلة متأخرة سماها القرآن الكريم أَرْذَلُ العُمُر، فلیست کل مرحلة الشیخوخة ضمن أرذل العمر: “وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً”. وأرذل العمر كما قال ابن عباس: أردؤه ، ولقد استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالله من أمور خمسة؛ فقال: “اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ” رواه البخاري.

فاستعاذ -صلى الله عليه وسلم- بالله أن يُردَّ إلى أَرْذَل العُمُر فينسى بعد تذكُّر، ويضعف بعد قوة، ويصبح كَلاًّ على غيره.

فعن عبدالله بن بسر أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، مَن خيرُ الناس؟ قال: “مَن طال عمرُه، وحسُن عمله”. لأن مَن طال عمره ازداد علمه وإنابته ورجوعُه إلى الله عز وجل؛ والشباب شعبة من الجنون، فيزداد الرجل في الشباب في الشهوات واللذات، والشيخوخة موجبة للخير والزهادة في الدنيا.

كبار السن أهل تجربة وخبرة ومعرفة ببواطن الأمور عركتهم الحياة ودرّبتهم المواقف وأنضجتهم الأحداث ففي صحبتهم بركة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: “الخير مع أكابرِكم”، وفي رواية : “البركة مع أكابركم”. قال المناوي: “فالبركة مع أكابركم المجربين للأمور، والمحافظين على تكثير الأجور فجالسوهم لتقتدوا برأيهم وتهتدوا بهديهم”

أ

إن قدماء المصريين قاموا عبر عصورهم بمحاولات كثيرة لاسترداد الشباب… ولكنهم لم ينجحوا… وحاول الهنود القدامى ولكنهم لم يكونوا بأسعد حظاً من المصريين القدماء… وكذلك فعلت الأمم السابقة في الصين وغيرها من أمم الشرق الأدنى والأقصى.

أما في أوروبا فقد اهتمت شعوبها عبر القرون بالبحث عن شفاء أو علاج للشيخوخة، وظلّ العلماء حتى العصر الحالي يبحثون عن علاج للشيخوخة واستعادة الشباب… ولكنهم لم ينجحوا، وأخيراً تأكد لدى العلماء أنه لا يوجد أي دواء يشفي من الشيخوخة، فالشيخوخة هي نتيجة تغير بيولوجي حتمي في جسم الإنسان لم يُعثر له على شفاء -ولا يفيده علاج- ولطالما أضاع الناس من جهد ومال ودراسة وراء البحث عن دواء لعلاج الشيخوخة فما وجدوا شيئاً.

ولو تدبر الناس ما جاء في الحديث النبوي في هذا الموضوع ما أضاعوا كل هذا الجهد وما خسروا كل تلك الأموال في البحث والعناء فيما لا طائل من ورائه…، فقد أخرج أبو داود والترمذي عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب: يا رسول الله! أنتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له دواءً إلا داءً واحداً، قالوا: وما هو قال: الهرم. (أي: الشيخوخة لا دواء لها).

وروى الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت”.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: “وقع في الهرم حتى يموت” يشير إلى أن الذي يقع في الشيخوخة لا يشفيه دواء ولا ينفعه علاج، وفي هذا الحديث النبوي الشريف الكثير من الحقائق العلمية.

فالشيخوخة تحدث في النبات كما تحدث في الإنسان والحيوان؛ ذلك أن الشيخوخة من سنن الله الكونية… وساقها الله مثالاً في آية سورة الزمر لتكون ذكرى لأولي الألباب. ونجد حقيقة الشيخوخة في النبات أيضاً مذكورة في سورة الحديد، آية ٢٠ في -قول الله عز وجل-: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”

ساق الله تعالى حقيقة أطوار خلق النبات وأن مصيرها إلى الزوال تشبيهاً بما يحدث للإنسان الغافل عن ربه وعن الحساب وعن الآخرة.

وليس للشيخوخة عمر محدد؛ فبعض الأجسام تشيخ في عمر مبكر، وبعض الأجسام لا تشيخ إلا بعد عمر طويل…، فليست الشيخوخة معتمدة على العمر فقط، وإنما على عوامل أخرى: كالوراثة، والبيئة، والأمراض التي تصيب الجسم، إلا أن بعض المسنين يظل نشاطهم الذهني حاداً، وذكاؤهم شديداً كما في القادة والمفكرين والمخترعين والعلماء…؛ فكثير من العلماء لم يكتشفوا اكتشافاتهم العلمية العظيمة، ولم يبدعوا إلا في طور الشيخوخة.

وقد نقلت الصحف قريبا خبرا عن سيدة سعودية أمية في الثمانين من عمرها أنها أتمت حفظ كتاب الله تعالى بعد أن بدأت في الحفظ وهي في السبعين من عمرها! لماذا لا ننقل هذا الخبر الرائع المبشر لكل مسن، فهو إن لم يستطع حفظ كتاب الله كاملا حفظ قدر ما يستطيع فكل أمره خير.

يقول العلامة الشنقيطي: “إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخَرَف وضياع العلم والعقل من شدة الكبر؛ لأن المؤمن مهما طال عمره فهو في طاعة وفي ذكر الله؛ فهو كامل العقل، وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يُصاب بالخرف ولا بالهذيان.

لا شك أن الشيخوخة طور من أطوار العمر تزعج الإنسان المقبل عليها، وتكدر الإنسان الذي هو فيها… وعبر الشاعر العربي عن ذلك بقوله:

ذهب الشباب فما له من عودة…وأتى المشيب فأين منه المهرب

وشاعر آخر:

ألا ليت الشباب يعود يوماً…فأخبره بما فعل المشيب

ویقول العلماء یعمل مخّ الإنسان فی شیخوخیّته ویحصد ما زرع طیلة حیاته ویزدهر، ففي تاريخ سلفنا الصالح نماذج رائعة من نشاط المسنين:

فالصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى، ولزم الجهاد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن توفي في غزوة القسطنطينية، سنة ٥٢هـ.ق.

“كان قد مرض وقائد الجيش يزيد ابن معاوية، فأتاه يعوده، وقال: ما حاجتك؟! قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي، ما وجدت مساغاً في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني، ثم ارجع ففعل”

قال الواقدي: “مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ٥٢هـ.ق ودفن عند القسطنطينية، وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا، وقيل: إنه مدفون في حائط القسطنطينية، وعلى قبره مزار ومسجد، وهم يعظمونه”

والتابعي الجليل موسى بن نصير -رحمه الله- فتح الأندلس، هو ومولاه “طارق بن زياد” وقسماً من جنوب فرنسا.

ويذكر التاريخ له قولته وهو شيخ كبير: “ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين”.

هذا ما يفعله الإسلام في النفوس، حين تمتزج مبادئ الدين مع نفوس معتنقيه، ورغم أن موسى بن نصير رحمه الله كان أعرج مسناً، توفي سنة ٩٩هـ.ق في المدينة النبوية وقد قارب الثمانين -رحمه الله- رحمة واسعة.

في حين كان حكيم الجاهلية وشاعرها “زهير بن أبي سلمى”، يشكو من بلوغه سن الثمانين في قوله المشهور:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش…ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

إلا أن الإسلام يصنع العجائب، وليس ذلك بغريب على دين يدعو أتباعه إلى بذل الجهد والعمل والاجتهاد حتى الموت.

وفي تاريخنا القديم والحديث مسنون استمروا في العطاء الغزير في كافة المجالات، رغم العمر المديد، وما ذلك إلا بسبب المكانة التي يحظى بها المسنون في المجتمعات الإسلامية.

فأبو القاسم البغوي: مات وقد استكمل مائة وثلاث سنين وشهراً واحداً.

وكان طلاب العلم يسمعون عليه، حتى مات -رحمه الله-.

وعطاء بن أبي رباح: مفتي الحرم المكي، عاش تسعين سنة، كان -رحمه الله- بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء ولا يتحرك.

وحكى الشيخ راتب النابلسي أن عالمًا جليلًا في الشام: بلغ من العمر ثمانية وتسعين عامًا، وكان منتصب القامة، حادّ البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، وكان يقول لبعض الشباب: أبوك تلميذي، وجدك تلميذي، فسأله يوما: ما هذه الصحة التي حباك اللّٰه بها؟! فأجاب: “أي بنيّ! حفظناها في الصغر فحفظها اللّٰه علينا في الكبر! من عاش تقيًّا عاش قويًّا”

لقد حفظ هؤلاء الأئمة الأعلام جوارحهم، فحفظها الله لهم، كما نوه بذلك شيخ الإسلام القاضي أبو الطيب الطبري، وقد عمر أكثر من مائة سنة.

قال عنه أبو اسحق الشيرازي في الطبقات: شيخنا وأستاذنا، القاضي أبو الطيب، توفي عن مائة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد ويحضر المواكب، إلى أن مات، ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه يرحمه الله.

وها هم المسنّون إذا أتيحت لهم الفرصة، يحققون مساهمة ناشطة في مختلف مجالات الحياة ولا غرابة في ذلك، فقد نضجوا وأصبحت عقولهم متزنة، وتجاربهم ثرة غزيرة.

 

  • الكاتب: حبيب الرحمن حاجي حسيني