في هذا الشهر الكريم يوم طيب مبارك كثير البركة وله منزلة عظيمة وحرمة قديمة وكانت الأنبياء تصومه، ولم يعرف يوم صامه الأنبياء مثل يوم عاشوراء، وما ذلك إلا لفضله ومكانته، فهو يوم التوبة، يوم تاب الله تعالى فيه على سيدنا آدم (عليه السلام)، وتاب الله تعالى فيه على قوم يونس (عليه السلام)، كما أشار إلى […]

في هذا الشهر الكريم يوم طيب مبارك كثير البركة وله منزلة عظيمة وحرمة قديمة وكانت الأنبياء تصومه، ولم يعرف يوم صامه الأنبياء مثل يوم عاشوراء، وما ذلك إلا لفضله ومكانته، فهو يوم التوبة، يوم تاب الله تعالى فيه على سيدنا آدم (عليه السلام)، وتاب الله تعالى فيه على قوم يونس (عليه السلام)، كما أشار إلى ذلك حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنّ النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن كنت صائمًا شهرًا بعد رمضان فصم المحرم؛ فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب الله فيه على قوم ويتوب على آخرين” أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه (كتاب الصوم).
وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): ويتوب على آخرين؛ حث للناس وتشجيعهم على تجديد التوبة النصوح في يوم عاشوراء رجاء المغفرة والرحمة، وأملاً أن يتوب الله تعالى عليهم فيه كما تاب فيه على آخرين من قبلهم.
ندعو الله تعالى أن يتوب علينا جميعًا وأن يغفر لنا ويرحمنا، ونردد معًا:
“رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (۲۳)” (الأعراف).
وهو يوم النجاة الذي أنجى الله تعالى فيه سيدنا نوحًا عليه السلام من الغرق واستوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح عليه السلام؛ شكرًا لله تعالى على نجاته هو ومن معه من المؤمنين.
وهو اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه سيدنا موسى عليه السلام وقومه من فرعون ومَلئه، فصامه موسى وقومه شكرًا لله تعالى. روى الإمامان البخاري ومسلم (رضي الله عنهما) عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: “قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فنحن أحق وأولى بموسى منكم” فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه”.
وفي مسند الإمام أحمد (قالوا هذا اليوم الذي نجى الله- عزّ وجل- موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق وأغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى عليهما السلام؛ شكرًا لله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم”.
وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم عاشوراء كما أخبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان” (رواه البخاري ومسلم).

وقد ثبت أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم صامه وحرص على صومه، وأمر أصحابه بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان، وصامه كذلك بعد فرض صيام شهر رمضان، وأنه صامه حتى العام الذي مات فيه.
نستعيد ذكريات هذا اليوم الطيب وما تحمله من بشريات ومؤيدات لأهل الحق وأتباعه وما يحمله من قيمة إيمانية تملأ قلوب المؤمنين، نتذكر مشهد النجاة للمؤمنين بقيادة سيدنا موسى عليه السلام وقد انطلقوا فارين بدينهم وعقيدتهم من بطش فرعون وجنوده وبغيهم، ملتزمين بالأمر الرباني الكريم:
“وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (۵۲) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (۵۳) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (۵۴) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (۵۵) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (۵۶) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (۵۷) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (۵۸) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (۵۹).
فلما استجاب المؤمنون لأمر الله تعالى طاردهم الطاغية فرعون وخرج على أثرهم حتى أوشك أن يلحق بهم على طرف البحر، ويحكي لنا القرآن الكريم مشهد الصراع بين الحق والباطل وقد اصطف اتباعهما ووضح الطريق واستبان السبيل، استمع لقول الله تعالى:
“فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (۶۰) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (۶۱) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (۶۲) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (۶۳) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (۶۴) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (۶۵) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (۶۶) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (۶۷) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (۶۸).
لما نظر أصحاب موسى عليه السلام إلى فرعون وجنوده وتذكروا سطوتهم وما يملكون من أدوات وأسلحة وقدرات لا قوة لهم بها صرخوا في وجه موسى عليه السلام قائلين إنا لمدركون ولقلة يقينهم في الله تعالى ولضعف إيمانهم لم يُحسنوا الظنَّ بالله تعالى، وقالوا إنهم هالكون، فالبحر أمامهم وهو الهلاك إن خاضوه، والطاغية فرعون وجنوده على أثرهم وهو الهلاك كذلك إن بقوا مكانهم فقالوا إنَّا لمدركون، لكنَّ صاحب اليقين كانت له قولة خالدة صارت درسًا لأهل الحق ترسم لهم سبيل النجاة فقال موسى بلسان الواثق في الله تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء قال كلا إنَّ معي ربى سيهدين، هو واثق أن الله تعالى لن يخذله ولن يضيعه، ملأ اليقين قلبه أن فرج الله قريب وأن عطاءه سيدهش عباده المؤمنين، لم يتأثر بصولة الباطل ولا جبروت الطاغية فرعون وجنوده، بل تعلق بحبل الله المتين ونطق بلسان اليقين، إنَّ معي ربى سيهدين، فإذا بالعطاء الرباني الذي يدهش الأولياء يتنزل، وإذا بالفرج يأتي من حيث لم يحتسب أحدٌ أو يتوقع، وإذا سبيل النجاة قد رسمت خطاه حيث ظنُّوا الهلاك، “فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ”.
سبحانك سبحانك إله عظيم لا يخيب رجاء عباده إذا تعلقوا به ولجأوا إليه وتوكلوا عليه وأخلصوا له، جعل البحر سبيل النجاة لأوليائه وكذلك جعله سبب هلاك أعدائه.

ما أشبه اليوم بالبارحة، تتجدد صفحات المقابلة بين الحق والباطل، ويتكرر الابتلاء والامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب، وسيظل يوم عاشوراء يحمل هذه الدروس النافعات للمؤمنين ينادي فيهم كونوا مع الله تعالى وثقوا فيه وتوكلوا عليه تُنصروا وتُجبروا ويهلك عدوكم ويزول ملكه ويذهب سلطانه، إنَّ أمتنا اليوم في أشد الحاجة أن تمتلئ قلوب أبنائها بيقين موسى عليه السلام حين صرخ بها مدوية ( قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )، وبإيمان وثبات محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.
“الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (۱۷۲) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (۱۷۳) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (۱۷۴) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (۱۷۵)” سورة آل عمران.
ثقتنا في الله تعالى كبيرة وقلوبنا متطلعة إلى السماء ويقيننا أن الله تعالى سيحدث بعد عسرنا يسرًا، وأن فرجه قريب ونصره لعباده آت لا ريب فيه، وعسى أن يكون قريبًا.
صوم يوم عاشوراء يُكفِّر ذنوب السنة الماضيةوحين سأل الصحابة عن فضل الصيام يوم عاشوراء قال صلى الله عليه وسلم: “يكفر السنة الماضية”، وفي رواية: “أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله” (رواه مسلم في صحيحه)، وبلغ حرص السلف الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على صيام يوم عاشوراء أنهم كانوا يصومونه ولو كانوا على سفر، ومنهم عبد الله بن عباس والإمام الزهري التابعي وقال: رمضان له عدة من أيام آخر وعاشوراء يفوت، ونص الإمام أحمد على أن يصام عاشوراء في السفر.
مراتب صيام يوم عاشوراء ثلاث؛ أكملها: أن يُصام يومٌ قبله ويوم بعده، وهو بذلك يصيب الأجر الأوفى إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن يُصام قبله يوم أو بعده يوم، فيُصام التاسع والعاشر من شهر المحرم، أو يُصام العاشر والحادي عشر؛ وبذلك يحقق ما أراده النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من مخالفة اليهود وتحصل الإجابة لأمره بصيام عاشوراء وصيام يوم قبله أو بعده.
الثالث: الاقتصار على صيام يوم عاشوراء فقط. ويحصل بذلك على فضل صيام يوم عاشوراء الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يكفر السنة الماضية.
تعويد الأطفال وتمرينهم على صيام يوم عاشوراءرضي الله عن أصحاب نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فقد كانوا أسرع استجابة؛ للنداء وأكثر حرصًا على الطاعة والثواب، ولم يكتفوا بتلبية الأمر وحدهم، بل حرصوا أن يشركوا أولادهم وصبيانهم في صيام يوم عاشوراء، روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الربيع بنت مُعوّذ رضي الله عنها قالت: “أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: “من كان أصبح صائمًا فليتمّ صومه ومن كان أصبح مفطرًا فليتمّ بقية يومه”.

“فكنا بعد ذلك نصومه ونُصوّمُ صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار”، وفي رواية:
“ونصنع لهم اللعبة من العهن فنذهب به معنا فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يُتموا صومهم”.
وفي هذا الحديث إشارة بليغة إلى أن الصحابة الكرام أدركوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قيمة صوم يوم عاشوراء وفضله ومنزلته، وعلموا عظيم الجزاء المترتب عليه؛ لذلك حرصوا على صومه وأن يصوموا صغارهم وفي الحديث دلالة واضحة على مسئولية الأبوين عن تربية أبنائهم على الإيمان والطاعات والعبادات، وتعويدهم على ذلك وتمرينهم حتى يشبوا على الطاعة ويتعود عليها، ولا يجد مشقة في فعلها حين يكبر، رغم أن الصغير غير مكلف حتى يبلغ الحلم؛ لكنه يُعود على الطاعة ويُمرن على العبادة فيعان عليها حين البلوغ والتكليف.
فهذا الحديث رسالة بينة إلى كل أب وأم يخشيان الله تعالى ويرغبان في نيل الثواب والأجر، ويطمعان أن يشب صغارهما على طاعة الله، يدك بيد طفلك إلى رحاب الطاعة، إلى المسجد، إلى العمل الصالح، اجعله يسير في ظلك وأنت ذاهب إلى ربك، وليكن حرصك على تربية صغار على الإيمان والطاعة كما تحرص على تربية الأجسام وتنمية العقول وتحصيل العلوم.
رتل معنا قول ربنا العظيم: “رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (۷۴)” (الفرقان).
تقبل الله منا ومنكم، وأعاننا جميعًا على طاعته، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.

أسامة جادو
ماخوذ من موقع الاخوان المسلمون