لقد وجد هذا الرجل المفقود في شخص إبراهیم: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»{النحل:۱۲۱ـ۱۲۰} رجل أکرمه الله برسالته، واصطفاه بخلّته «واتخذ الله إبراهیم خلیلاً» {النساء:۱۲۵} ثم أمره أن یبني له بیتاً یظلّ مرکزاً روحیاً للإیمان، والتوحید، وعبادة الله وحده، والدعوة إلی الله، […]

لقد وجد هذا الرجل المفقود في شخص إبراهیم: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»{النحل:۱۲۱ـ۱۲۰} رجل أکرمه الله برسالته، واصطفاه بخلّته «واتخذ الله إبراهیم خلیلاً» {النساء:۱۲۵} ثم أمره أن یبني له بیتاً یظلّ مرکزاً روحیاً للإیمان، والتوحید، وعبادة الله وحده، والدعوة إلی الله، ومثابة للناس وأمناً.
ولکن أین یقوم هذا البیت؟ إنّ الحواضر والعواصم الّتي تزدهر فیها المدنیّة، ویکثر فیها الخصب، وتنفق فیها التجارات، ویجذب إلیها جمال الطبیعة، وزینة الصناعة کثیرة، ولکن اقتضت حکمة الله أن یقوم هذا البیت في وادٍ غیر ذي زرع، لا طبیعة فیه، ولا صناعة، فلا یشدُّ الرحالَ إلیه إلا المؤمنون الموحّدون، ولا یقصده من أنحاء العالم إلا المخلصون المتجردون، ووقعت الخیرة علی مکّة الّتي لا ماء فیها، ولا کلأ، ولا زرع فیها، ولا ضرع، واد ضیّقٌ بین جبال سودٍ جرداء، لا طبیعة تغري، ولا صناعة تستهوي، ولا تجارة تشوق « وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» {الحج:۲۶}
لقد أتمّ إبراهیم عمله في صدق، وإخلاص، وحماسة، وإیمان، وشارکه في ذلک ولده المؤمن المخلص نبيّ الله إسماعیل بن إبراهیم «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»{البقرة:۱۲۷}
لقد قام هذا البیت کما أراد الله، واجتمع حوله کلّ ما یزهد الناس في السکنی حوله، وقصده من أنحاء بعیدة، ومن أقاصي البلدان، فلا تجارة، ولا صناعة، ولا عذوبة ماء، ولا رقّة هواء، ولا حسن مظهر، ولا جمال منظر، ولکنّ الله قد قضی أن یکون هذا البیت هو البیت الوحید الّذي یبقی علی طول الزمان، ویقصد علی بعد المکان، لا یضارعه في ذلک قصر ملکيٌّ، ولا معبد دینيٌّ، یسعی إلیه الناس بشقّ الأنفس، وعلی الأقدام والأرؤس، وتأتیه الوفود کلّ عام من أقصی المعمورة «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ»{الحج:۲۷ـ۲۹}
لقد أصبح هذا البیت الکریم شعاراً لله تعالی، وحرمة من حرماته، ورمزاً للتوحید والعبادة، فمن عظَّمه؛فقد عظم حرمات الله، ومن أهانه؛ فقد أهان شعائر الله، وإنّ أعظم رسالة بهذا البیت هي رسالة التوحید الّذي قام علی أساسه، فلیحافظ علی ذلک، ولیتفهمه کلّ من قصده، وطاف حوله، ونسک، وذبح « ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» {الحج:۳۰ـ۳۲}
لقد أحبّ الله النسک وإراقة الدماء في الذبح في هذه الأیّام؛ لأنّه عبادة وشعارٌ من شعائر التوحید «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» {الحج:۳۶} ولکنّه یقرّر أنّ روح هذا النسک والذبائح والأضاحي هو إرادة وجه الله، وامتثال أمره، وتوحیده، لیست هذه الدماء المهراقة واللحوم المبضعة «لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ»{الحج:۳۷}.

العلامة الداعية الإمام أبوالحسن الندوي