ممّا یثیر القلق ویبعث علی الاضطراب ویحدث صراعاً نفسیاً لکلّ ذي لبٍّ وضمیر یتعمّق ویتقعّر في قضایا الأمّة المسلمة، هو تراجع الأمّة وتقهقرها عن القیادة العالمیّة بل وتخلّفها عن رکب البشریّة في مجال الصناعة وتکنولوجیا والمجالات المختلفة التي صارت دفّة الحیاة المادّیة ومحورها الأصلي ورکنها الرئیسي فیتساءل العاقل عمّا جرّ هذه الکوارث؟ وذهب بالأمّة ذات […]

ممّا یثیر القلق ویبعث علی الاضطراب ویحدث صراعاً نفسیاً لکلّ ذي لبٍّ وضمیر یتعمّق ویتقعّر في قضایا الأمّة المسلمة، هو تراجع الأمّة وتقهقرها عن القیادة العالمیّة بل وتخلّفها عن رکب البشریّة في مجال الصناعة وتکنولوجیا والمجالات المختلفة التي صارت دفّة الحیاة المادّیة ومحورها الأصلي ورکنها الرئیسي فیتساءل العاقل عمّا جرّ هذه الکوارث؟ وذهب بالأمّة ذات السعادة والفلاح إلی أسفل الدرکات؟ ویتساءل عن الحلول الجذریّة؟ وعن حلّ هذه اللغزة؟ أمّة کانت تسود الأرض من أقصاها إلی أقصاها ولکنّها الآن تتکدّی وتکفّف من الیهود والنصاری، تبیع دینها بعرض من الدنیا!!
العناصر التي تشکّل الأخطار المهدّدة للعالم الإسلامي، تنقسم إلی أقسام یختلف بعضها بعضاً نوعاً وکمّاً، بعضها یتعلّق بالأمّة ذاتها التي کسبتها بأیدیها وبعضها یتعلّق بالمؤامرات المدبّرة من قِبَل الأعداء الذین لهم مساعي مضنیة منهکة في تدمیر الأمّة عقائدیاً وثقافیاً واقتصادیاً وسیاسیّاً.
رزایا العالم الإسلامي:
۱ ـ ضعف الإیمان والثقة بالله والإقبال علی المظاهر المادیّة والاتّکال علیها والتناسي عن هذه الحقیقة التي کانت سرّ الانتصارات في الغابر المشرق والتاریخ المزدهر لهذه الأمّة. وإذا سبرنا أغوار هذه الرزیئة وأردنا الدواء لهذا الدّاء العضال نهتدي إلی أن بثّ الدعوة بإلقاء الخطابات والمحاضرات وإرسال الجولات الدعویّة في الأریاف والمدن وتذکیر الأمّة بتاریخها الزاخر بالبطولات والرّجولات والمغامرات والمجازفات، یکشف الغمة إلی حدّ ما، وینفخ روحاً جدیدةً في القلوب الخامدة والمشاعر الباردة، روی الطبريّ في تاریخه قصّةً عجیبةً تبیّن تأثیر الإیمان ومکانته في إزالة العوائق والمشاکل المعتریة في طریق المؤمنین الراسخین:
وصل جیش المسلمین بقیادة سعد بن أبي وقاص إلی دجلة في معرکة مدائن مبتلعة أمواجها فارغة أفواهها، تهدِّد بالهلاک والدمار لمن دخلها، فاستشار قائد المسلمین سلمان الفارسيّ في الأمر، وقال له:ننتظر السفن أم نقتحم البحر ولم یطرأه شکّ أو ارتیاب في العبور، فقال سلمان الفارسيّ علی الفورـ بدون أن توحشه الأمواج المهلکة أو تخوّفه قوّة المادیة الجوفاءـ لن یتراجع هذا الدین أمام شيء فاقتحِموا فقال سعد بن أبي وقاص: انظروا هل هناک في الجیش ذنوب انتشرت فقالوا له لا یا أمیرنا وقائدنا، عندئذٍ أمر الجیش بالاقتحام والعبور فکان الصحابة یضاحکون ویتکلّمون في وسط البحر لا یمسّهم سوء حتی وصلوا إلی الشاطئ آمنین مطمئنّین، وإذا رآهم الفرس قالوا: جاء العفاریت، جاء العفاریت.
والوقائع الإیمانیّة لم تتوقّف في عصر الصحابة بل امتدّت إلی ما بعدهم مثل ما حدث لعقبة بن نافع حینما واجه موضعاً یغصّ بالسباع الضاریة والوحوش الفتّاکة في فتح إفریقیة. عن یحیی بن عبدالرحمن بن حاطب قال (عقبة بن نافع):یا أهل الوادي! إنّا حالّون إن شاء الله، فاظعنوا ثلاث مرات فما رأینا حجراً ولا شجراً إلا یخرج من تحته دابّة حتّی هبطنا بطن الوادي ثمّ قال للناس انزلوا باسم الله(۱)
ما أغرب هذا الإیمان الذي بسط نفوذه علی الدوابّ المعجمة!
فندرس من هذه القصص ومن أمثالها الّتي تهزّ القلوب و تخز الضمائر وتفتّق القرائح أنّ الثقة بالله والتوکّل علیه هو الحلّ الوحید لاستعادة جمیع المناقب والمفاخر الّتي آلت الأمّة إلی الإفلاس فیها حالیاً و أنها لا تحتلّ مکانتها الأولی إلا بالتقوی وتجنّب المحارم.
۲ ـ فشوّ المناهي وارتکاب الفواحش:
لم تسیطر الهوی والرعونة علی أمّة إلا أتت لها بالخسّة والرذالة والانحطاط والإسفاف فضعفت قواها وتماسکت عن التقدّم والتحضّر و تجرّأ الأعداء علی الهتک والبطش کما مرّ بالعالم الإسلامي حین غارة التتار غارة هوجاء تؤلم القلب وتدمع العین وذلک کان ولید المعاصي والذنوب الفاشیة في عواصم الممالک الإسلامیّة کبغداد ومصر خاصّة وفي سائر البلاد والمدن عامّة ووعد الله لا یُخلَف إذ قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
فیجب علی العلماء والمصلحین والدعاة المخلصین في هذا الجوّ الحالک العابس ألّا یتقاعسوا عن أداء رسالتهم ویندمجوا بالشعب المسلم ویدعوهم إلی التوبة والندم ویحذّروهم عن مصیر العصاة الظالمین عبر التاریخ قبل أن یتّسع الخرق علی الرّاقع ونشاهد عودة التاریخ بماضیه المرّ.
۳ ـ التحزّب والعنصریّة:
لم تنجح أمّة في معارکها العلمیّة والاقتصادیِّة والعسکریّة ولا سیّما الثقافیّة والدینیّة إلا في ضوء الاتحاد الذي دعا إلیه القرآن والسنّة، یقول الله: واعتصموا بحبل الله ولا تفرّقوا. والمراد بحبل الله هو القرآن کما قال ابن کثیر(۲) وکما ورد في الحدیث:«إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتین»(۳)فالأمّة لا بدّ أن تُجمِع وتتّفق علی ما جاء من الدستور والقانون في القران وتدع جمیع الشعارات والنعرات القومیّة الهدّامة وتتحرّک تحت رایة القرآن و تتمسّک بالوصیّة النبویّة حیث قال:دعوها فإنّها منتنة(۴) لأنّ التمزّق والتفکّک کالإناء المنثلم الّذي لا یضبط فیه مائع لا یأتي إلا بالفشل.
۴ ـ انعدام المعرفة الصحیحة للإسلام:
إنّ طائفة کبیرة من الشباب المثقّفین ومن السوقة أساءُوا الظنون بالتعالیم الدینیّة فتکاسلوا عن العمل وتورّطوا في الشکّ والتردّد وحسبوا أنّها لا تلائم القرن الحادي والعشرین والظروف والأجواء التي یعایشونها و تصوّروا أنّها انقضت آجالها وانتهی دورها وهذا الفهم الخاطئ نشأ وبرز لانعدام المعرفة الصحیحة للإسلام والتغوّص في الکتاب والسنّة.
ولو تأمّل هؤلاء في الکتاب والسنّة وعکفوا علی الدراسة والتحقیق وراجعوا في حلّ شکوکهم وشبههم وإزالتها إلی العلماء الأعلام والّذین باعهم طویل وقدمهم راسخة في العلوم الشرعیّة لتحقّق لهم کالشمس في رائعة النهار أنّ الإسلام ینطوي علی قوانین ودساتیر تسایر أيّ زمان ومکان وأنّها لا تخلق ولا تبلی جدّته ولا تعجز عن تقدیم الحلول الجذریّة لسعادة الإنسانیّة والبشریّة وأنّ المشکلة لا تکمن في الإسلام بل هي تعود في بعض الأحیان إلی الجهل وفي بعض الأحیان إلی القلوب العیّة والأرواح المتکاسلة التي ترّست هذا الهراء فراراً عن اضطلاع الأعباء والواجبات الدینیّة وفي أکثر الأحیان تأتي هذه الدسائس من قِبَل قلوب حاقدة علی الإسلام والمسلمین فتزوّر هذه الأراجیف لتزلّ فیها أقدام الأمّة فتقع في الارتیاب والشبهة ومن ثمّ الانهیار والتداعي والأمّة علی علّاتها وعلی ما أصابها من العلل العقائدیّة والفکریّة والاجتماعیّة صالحة للصحوة الإسلامیّة والوعي الدیني.
مؤامرات الأعداء للقضاء علی الإسلام:
۱ ـ حرکة الاستشراق والمستشرقین: لم یعهد الإسلام والمسلمون رزیئة أکبر ودهاءً أضرّ وحرباً أحمر ممّا قام به المستشرقون في تشکیک المسلمین بدینهم وعقیدتهم. «وهم طائفة من علماء الغرب الذین دفعهم الحقد والتعصّب الصلیبي لدراسة علوم الشرق وثقافاته وعاداته ثمّ الکتابة عن الإسلام وکلّ ما یتّصل به من أجل تشویهه وتحریف حقائقه وطمس معالمه»(۵)
ولم یأل المستشرقون جهداً في أن ینفثوا سمومهم في عقول المسلمین وأذهانهم فوقع في شباکهم کثیر من الشباب المثقفین في أنحاء العالم الإسلامي والعلماء العباقرة لهذه الأمّة کشفوا اللثام عن حرکة الاستشراق وقدّموا خدمات جلیلة(۶)
۲ ـ حرکة التبشیر وبالأصح التنصیر:
إن العالم المسیحي کالمنافس للعالم الإسلامي لم یهدأ ولو طرفة عین في استمالة قلوب المسلمین إلی المسیحیة، تارة عن طریق القنوات الهدّامة الّتي تبذل أقصی ما عندها لتشویه صورة الإسلام ولا سیّما سیّدنا محمّد علیه الصلاة والسلام وتارة عن طریق الصلات الودّیة والهبات الإنسانیّة کما مرّ بنا في أفغانستان باسم التبشیر، وکما أنشأوا مصانع في هذا البلد المحتلّ وأجروا الرواتب الباهظة للعاملین المسلمین فیها ثمّ نشر الأخلاق الفاضلة من الصّدق وإعطاء حقّ الأجیرفي موعده في تلک المصانع حتّی یرتاب المسلم ویشکّ في دینه وعقیدته حینما یوازن خلائق المسلمین وتدهورهم فیها وتقصیرهم في أداء الحقوق فیرکن إلی المسیحیة الحاقدة بدون أن یعرف اللباب من القشور والنیّة الصادقة من النیّة السیّئة والدین الناسخ عن المنسوخ والدین الحق عن الدین المحرّف.
۳ ـ ترویج الخلاعة والسّفور:
إنّ عدوّنا بالمرصاد لا یرضی بالمیسور من التدمیر والتخریب بل یسعی لیتشبّث بکلّ حشیش في النیل بهدفه وبغیته، فنشاهد بأمّ أعیننا أنّ الأفلام والمسلسلات الّتي تعرض علی الشبکة الدولیة وعلی القنوات الفضائیة، تلعب دوراً کبیراً في ترویج الخلاعة والسفور بین الشباب المسلمین من البنین والبنات فنتیجة لذلک تفتر العزائم الإیمانیّة والدینیّة ولا یبقی من الإسلام في المسلم إلا اسمه فیکون کدمیة لا حراک بها ولا قوّة مصاباً، لجمیع الصدمات والنکبات یمزّق دینه ویستهان بنبیّه ولا یقدر أن یغیّر شیئاً لأنّه وقع محبوساً في شهواته منهمکاً في لذائذ اختطفت غیرته وحمیّته وسرقت رأس ماله فکیف یقوم في وجه هذه التحدّیات؟! فلیبرز الوعّاظ والدّعاة في وجه هذه المکیدة المدبّرة ویسعوا في إطفاء هذه النّار الّتي وقودها المسلمون والإسلام ویذکّروا الناس والمصابین بهذا الشرک، بأنّ وراء هذه الأفلام والبرامج أفکار خبیثة تؤدّي إلی تواقع الإسلام وشعائره وینذروهم عن العاقبة والمصیر السیّیء.
۴ ـ تهیئة الغرب مناخاً مناسباً لهجرة العقول المسلمة:
هجرة العقول المسلمة إلی الغرب وتأثّرهم واعترافهم بقیادة الغرب وتذوّقهم من الصناعات والنجاحات الغربیّة في شتّی المجالات، جعلهم یؤمنون به إیماناً راسخاً ویدینون له کدین إلهیّ ومن أخطر التحدّیات للعالم الإسلامي هو عودة هؤلاء بفکر غربیّ، ودین غربیّ ، وحماس غربیّ، ومنهم یحتلّون مناصب علیا في الدول الإسلامیّة، وأنّ الدول الغربیّة انتهزت هذه الفرصة الذهبیّة ولم تضیّع الوقت وربّت لنفسها أصدقاء أوفیاء لا تشکّ في وفاءهم أحنی لها من أيّ صدیق، فعلی الدولة الإسلامیّة والقادة التعلیمیّة أن یبصروا هذه الحقیقة و یشمّروا عن ساق الهمّة لیردّوا هذا التیّار الجارف بإحداث جامعات، ومؤسّسات متقدّمة تفوق المؤسسات الغربیة علماً وإنتاجاً، حتّی ترتدع العقول المسلمة عن الاغتراب، وبالتالي الاندماج، والانمیاث في الفکري الغربي.
فالإسلام یدعو وینادي الأمّة بأسرها في هذه الظروف القاسیة إلی احتضان الکتاب والسنّة والعمل بهما، والتهرّب عن الشجارات والخلافات القومیّة، والاعتصام بحبل الله المتین، وتجدید العهد والمیثاق بالسلف الصالح، والحرکة علی نهجهم، والدعوة الصریحة السافرة إلی الإسلام الکامل، وتصویره تصویراً دقیقاً کاملاً لاغموض فیه ولا عقدة، والانزواء إلی حظیرة الإیمان والتقوی، والصلة بالله، والجهاد في سبیل الله بالسیف واللسان والقلم والبیان، إذاً یرجی أن تتحرّک موجة الإیمان والصحوة الإسلامیّة من جدید ویصلح ما تعاني الأمّة من الأزمات والرزایا ویصدق فیها قول الله عزّوجلّ حیث قال: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن کنتم مؤمنین).
المنابع و الارجاعات
۱ ـ سیر أعلام النبلاء ( ۳/۵۳۳)، نقلاً عن الدولة الأمویّة للصلّابي
۲ ـ تفسیر ابن کثیر(۲/۷۹)، دار الکتاب العربي
۳ ـ أخرجه الدارمي، ح ۳۳۶۶، ص ۴۵۵، ط دار ابن حزم
۴ ـ بخاري، کتاب التفسیر، ح ۴۹۰۷ ، ط مؤسسة الرسالة
۵ ـ الغزو الفکري، یحیی محمد إلیاس ص ۲۶
۶ ـ راجع للتفصیل عن ذلک محاضرة العلامة الندوي (الإسلام والمستشرقون)، محاضرات إسلاميّة في الفکر والدعوة(۲/۳۸۵)، دارابن کثیر

مجتبی الأمتي