أسلفت فيما تقدم في الحصّة السابقة من خلال أقوال الجهابذة من العلماء المتقدمين والمتأخرين أن الإمام أبا‌حنيفة من كبار حفاظ الحديث ومن رجال الجرح والتعديل وممن يرجع إليهم في قبول قولهم في الجرح والتعديل، وفي هذه الحصّة أتعرض لبيان سبب قلة رواية الإمام الحديث.هذه حقيقة واضحة أن الفقهاء المجتهدين هم كانوا مشتغلين باستنباط المسائل من […]

أسلفت فيما تقدم في الحصّة السابقة من خلال أقوال الجهابذة من العلماء المتقدمين والمتأخرين أن الإمام أبا‌حنيفة من كبار حفاظ الحديث ومن رجال الجرح والتعديل وممن يرجع إليهم في قبول قولهم في الجرح والتعديل، وفي هذه الحصّة أتعرض لبيان سبب قلة رواية الإمام الحديث.
هذه حقيقة واضحة أن الفقهاء المجتهدين هم كانوا مشتغلين باستنباط المسائل من الأحاديث ولم تكن مهمتهم نقل الروايات شأن المحدثين الكرام،وهذا الأمر لا يدل علی عدم اطلاعهم ومعرفتهم بالأحاديث، بل كانوا من أعرف العلماء بالحديث كما أن من الصحابة (رضي الله عنهم)  من كانوا أعلمهم كأبي‌بكر وعمر رضي الله عنهما ولكنهم من المقلين في‌الرواية ومنهم كأبي‌هريرة(رضي الله عنه) من المكثرين فيها.
و قد أشار إلی ما ذكرتُ الحافظُ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي في«عقودالجمان» «إنما قلت الرواية عنه (أبي‌حنيفة) وإن كان متسع الحفظ لاشتغاله بالاستنباط وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي إلّا القليل بالنسبة إلی ما سمعاه للسبب نفسه، كما قلت رواية أمثال أبي‌بكر وعمر من كبار الصحابة  بالنسبة إلی كثرة اطلاعهم وقد كثرت رواية من دونهم بالنسبة إليهم»  (۱)
نعم إن الإمام أبا‌حنيفة رحمه الله كان فقيهاً ومجتهداً وكان يقتصر في الرواية علی أحاديث الأحكام والآثار المروية في الأحكام وما كان يقعد للتحديث لكل زيات وحائك، ولبّان وبنّاء، بل كان تحديثه في أثناء تفقيهه المتفقهين عليه بمناسبات ومثله لا يقع في أيدي صنوف الزوامل آلاف الألوف من روايته.  (۲)
فإنّه رحمه الله بذل جهده في تدوين الفقه وقد أجمع العلماء أنه هو أول من دوّن الفقه. وذكر العلامة ظفرأحمد العثماني رحمه الله في توجيه قلة حديث الإمام الشافعي رحمه الله ما يفيدنا في هذا المقام. إنه يقول: «من جعله قليل الحديث معناه أنه كان قليل التحديث، لم يكن يسرد الحديث كسرد المحدثين له وإنما يذكر الحديث في كتبه غضون الكلام علی الأحكام والمسائل وليس معناه  أنه كان قليل العلم به حاشاه من ذلك فإنه إمام مجتهد كبير، والاجتهاد لا يتيسر لمن كان قليل المعرفة بالحديث والآثار وهذا هومعنی قول من قال في أبي‌حنيفة: إنه كان قليل الحديث، فافهم ولا تكن من الجاهلين» .(۳)انتهی.
وهناك سبب آخر لقلة رواية الإمام الحديثَ وهو أنه اشترط في الحديث المنقول عن رسول الله(صلی الله علیه وسلم) استمرار حفظ الراوي لمرويّه من أن التحمل إلی الأداء من غير تخلل نسيان،وقد صرّح الإمام نفسه باشتراط هذا الشرط.
فقد روی الحافظ أبوعبدالله الحاكم النيسابوري في «المدخل إلی معرفة كتاب الإكليل» عن بشر بن الوليد الكندي عن أبي‌يوسف عن أبي‌حنيفة أنّه قال: لا يحل للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم المحدث فيحفظه ثم يحدث به(۴) . وقد أشار إلی هذا الشرط كثير من الحنفية قال الإمام السرخسي في أصوله قال بعض الطاعنين: إنه كان لا يعرف الحديث ولم يكن علی ما ظن بل كان أعلم عصره بالحديث  لكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلّت روايته. (۵)
وقال في موضع آخر في أصوله:«فأما بيان طرق الحفظ فهو نوعان: عزيمة ورخصة، فالعزيمة فيه أن يحفظ المسموع من وقت السماع والفهم إلی وقت الأداء وكان هذا مذهب أبي‌حنيفة في الأخبار والشهادات ولهذا قلّت روايته»(۶)  وقد صرّح إلی هذا الشرط الإمام النسفي في كشف الأسرار(۷)  وابن أمير الحاج في التقرير والتحبير(۸)والمحقق محمد الزاهد الكوثري في تأنيب الخطيب .(۹)
وقد نبّه إلی هذا الشرط كثير من الأعلام من المذاهب الأخری مثل عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته« والإمام أبو‌حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل». وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في جواب سؤال استفتي فيه عن تضعيف النسائي أباحنيفة وقلة روايته « وقد اعتذر عن الإمام بأنه كان يری أنه لا يحدث إلا بما حفظه منذ سمعه إلی أن أدّاه، فلهذا قلت الرواية عنه وصارت روايته قليلة بالنسبة لذلك وإلا فهو في نفس الأمر كثيـــــــــر الرواية» .(۱۰)
وهذا أيضاً كان سبب قلة روايته بالنسبة إلی الحفاظ المتفرّغین للتحديث« ومع ذلك فما يوجد من أحاديث أبي‌حنيفة التي رواها بطريق الإسناد كثيرأيضاً: منها ما قد جمعه الحفاظ في مسانيده ومنها ما ذكره أصحابه محمد بن الحسن في ««الآثار»و»المؤطأ «و»الحجج «» له، وغيرها من كتبه وأبويوسف وابن المبارك والحسن بن زياد وغيرهم في كتبهم ووكيع بن الجراح في «مسنده» وابن‌أبي‌شيبة وعبدالرزاق في مصنفيهما والحاكم في المستدرك وغيره وابن حبان في صحيحه  و في الثقات له وغيرهما والبيهقي في سننه وكتبه والطبراني في معاجمه الثلاثة والدارقطني في كتبه وغيرهم في غيرها لو جمعنا تلك الأحاديث كلها في مجلد واحد لكان كتاباً ضخماً» (۱۱)
وقد ذكر عددَ روايات الإمام أبي‌حنيفة في بعض الكتب فضيلةُ المحقق عبدالمجيد التركماني حفظه الله في كتابه«دراسات في أصول الحديث علي منهج الحنفية »(۱۲)وهو كتاب ماتع بديع في موضوعه جزاه الله خيراً، هو يقول: تبلغ الروايات في كتاب الآثار برواية الإمام أبي‌يوسف رحمه الله۱۰۶۷ حديثاً حسب ترقيم العلامة المحقق أبي‌الوفاء الأفغاني وبرواية الإمام محمد رحمه الله ۹۱۶ حديثاً طبعة الرحيم اكيدمي. وفي كتاب الخراج لأبي‌يوسف رحمه الله ۵حديثاً وفي كتاب الحجة علي أهل المدينة للإمام محمد رحمه الله ۱۰۶حديثاً وروی الإمام محمد في مؤطأ عن شيخه أبي‌حنيفة ۱۱حديثاً.
 ومن طالع كتب الإمام محمد رحمه الله من» السير الصغير» و» الكبير» و»المبسوط «و غيرها من تصانيفه الكثيرة يعلم كثرة اطلاع أبي‌حنيفة علی الأحاديث وبصره بها، ولحفظه وكثرة اطلاعه يذكره المحدثون في طبقات الحفاظ.

المنابع و الإرجاعات

 ۱ـ تأنيب الخطيب ص۲۴۴للعلامة محمد الزاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، ۱۴۱۹هـ.
۲ـ المرجع السابق ص۲۴۶ مع تصرف قليل.
۳ـ قواعد في علوم الحديث، ص۳۸۶، العثماني التهانوي، ظفر أحمد ، مكتبة المطبوعات الإسلامية، تحقيق عبدالفتاح أبوغدة،ط   ۱۰، ۱۴۲۸ه.
۴ـ دراسات في أصول الحديث  علي منهج الحنفية ص۳۱۸ تركماني، عبدالمجيد، منشورات مدرسة النعمان، ط ۱ ،۱۴۳۰هـ.
۵ـ أصول السرخسي ۱/۳۵۰ تأليف أبي‌بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، تحقيق أبي‌الوفاء الأفغاني ، دارالكتب العلمية، بيروت.
۶ـ المرجع السابق۱/۳۷۹٫
۷ـ كشف الأسرار شرح المصنف علی المنار۲/۶۹ أبي البركات عبدالله بن أحمد النسفي، قديمي كتب خانه، كراتشي.
۸ـ التقرير و التحبير في علم الأصول ۲/۳۷۹ـ ۳۷۸ للعلامة ابن الأمير الحاج، دارالفكر،الطبعة الأولی،۱۴۱۷ه.
۹ـ تأنيب الخطيب ص۲۴۱ للعلامة  محمد الزاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث،ط۱، ۱۴۱۹هـ.
۱۰ ـ دراسات في أصول الحديث  علي منهج الحنفية ص۳۲۳ نقلا عن الجواهر و الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر۲/۹۴۷ـ ۹۴۶٫
۱۱ـ  قواعد في علوم الحديث ص۳۱۷٫
۱۲ ـ ص۳۲۰، منشورات مدرسة النعمان، الطبعة الأولی، ۱۴۳۰ هـ .

عبدالغفار المیرهادي