إن من الواجب علينا حفظ تاريخنا وضبطه وذكره من الآثار، والمآثر، والبطولات، والرجالات، والآداب الإسلامية، والعادات الحسنة، ونقله إلى الأجيال القادمة لتستنير وتتأسى بماضيها، وإن التاريخ المشرق لكل شعب وملة سند ومجد وعِرض له، به تشحذ الهمّة، ويقوى الضعف، ويستقيم العوج، فقد قام سلفنا لهذا الهدف خير قيام، فظهرت كتب كثيرة في البلدان والأقاليم وأحوال […]

إن من الواجب علينا حفظ تاريخنا وضبطه وذكره من الآثار، والمآثر، والبطولات، والرجالات، والآداب الإسلامية، والعادات الحسنة، ونقله إلى الأجيال القادمة لتستنير وتتأسى بماضيها، وإن التاريخ المشرق لكل شعب وملة سند ومجد وعِرض له، به تشحذ الهمّة، ويقوى الضعف، ويستقيم العوج، فقد قام سلفنا لهذا الهدف خير قيام، فظهرت كتب كثيرة في البلدان والأقاليم وأحوال رجالها و…، فمن هذا المنطلق أذكر -بتوفيق الله تعالى- من حين لآخر مختصرا عن بعض الصالحين في بلدي، تنويها بذكرهم، وانخراطا في سلكهم، ولله درّ الشاعر:

    أحبّ الصالحين ولستُ منهم…لعلّ الله يرزقني صلاحا

    منهم الشيخ غلام حسن الأعظمي -رحمه الله-، ولد -رحمه الله- سنة ١٢٧٥هـ.ش في “ريزة”، توفي والده موسى في سفر الحرمين الشريفين، ودفن بالبقيع.

    ليس لدينا معلومات عن طفوليته وعلى من تلّقى القرآن الكريم والكتب الأخرى، والقدر المعلوم أنه تعلم القرآن وبعض الكتب، ولم يكن متخرّجا عن العلوم.

قال “عبد السلام واحد بور” أحد أقرباءه: كان -رحمه الله- قصير القامة، سمينا خلقة، طلق الوجه، غير متصنع، شجاعا، مداعبًا، زاهدا، قانعا، عابدا، ذاكرا، واصلا، وزاد ابنه الأكبر عبد الرشيد: كان مضيافًا، سخيّا، متوكلا، متواضعا، غير حاقد ولا متكبر، محب الفقراء يقرب منهم ويجالسهم.

زهده:

قال ابنه عبد الرشيد: كان -رحمه الله- زاهدا في الدنيا، لم يكن ليحزن ويغتمّ ويتحسّر على ما فاته منها، لا يتحدث عن الدنيا، قال ولده: أقسم بالله ما سمعنا منه طول حياته ولو مرة أن يقول لنا: اعملوا واجمعوا المال لتكونوا من الأثرياء، وكان يقول: “لا تهلكوا ولا تتعبوا أنفسكم لأجل الدنيا”، وقال مرة: “بلغتُ من العمر ٧٥ سنة ولست مديونا لأحد”.

عبادته:

كان -رحمه الله- مواظبا على صلواته، مُكثرا لتلاوة القرآن، ويذكر الله كثيرا، ويتهجد بالليل. قال “عبد السلام واحد بور”: رأيته غير مرة عندما يبيت عندنا، يقوم في الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلا، يتوضأ، ويشتغل بالصلاة والذكر والدعاء حتى الفجر.

ورد في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللّٰهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ”. رواه الترمذي.

قال ابنه عبد الرشيد: من أوراده أنه كان يقرأ ١١ مرة سورة الانشراح، و١١ مرة آية الكرسي يوميا، وسورة ياسين صباحا، والملك والواقعة مساء، وكان يقول لنا: واظبوا على هذا تلمسوا الخير في حياتكم، وتلن قلوبكم.

وقال أيضًا: كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان كل سنة.

وأدّى فريضة الحجّ أيضا.

زيارته لبعض الأنبياء في المنام:

قال ولده عبدالرشيد: إن والدي -رحمه الله- تشرّف بزيارته -صلى الله عليه وسلم- مرارا وتكرارا في المنام. يا له من سعادة! وقال: كان يختم القرآن الكريم إيصالا للأجر لبعض الأنبياء كإبراهيم وإسماعيل -عليهم السلام- و…، ويزوره في المنام من ليلته.

اشتياقه للمطالعة:

قال ابنه عنه: كان شديد الشوق للمطالعة لا يوصف. لمّا كان يأخذ كتابا للمطالعة يقرأ كله من البداية إلى النهاية، وعندما يأتيه ضيف يملأ وقته مع الاستضافة بقراءة الكتب، والأشعار والغزليات، يُكثر من مطالعة التفسير الحسيني، لم يكن تفسير آخر مطبوع مشهور في المنطقة آنذاك إلا هذا التفسير، وكانت الكتب في قلّة، وقال: عندما يقرأ الكتاب في مجالسه يتأثر الحضار ويبكون.

قصة جميلة:

حكى ولده عبدالرشيد: اشتريت أنا وأخي عبدالرزاق جهاز صوت -المذياع- من نوع “TOSHIBA” قبل الثورة بسنة، وهناك برنامج ينشر منه، باسم “شاخه گل” حول أبيات وأشعار “الحافظ” و”السعدي” الشيرازيين. أخذنا نستمع إليه وتنشر معه موسيقا، بعد أن انتهى البرنامج، أخذ والدي بيدي وقال: هذا شيء مضر، إن الموسيقا هي الحالقة للقلب، ثم قال: هناك شيء آخر عوض المذياع هو كتاب “نثر الدرر” ابحثا عنه لأقرأه لكما، إنه يبيّض القلب ويصقله، ثم خرجتُ باحثا عن هذا الكتاب فوجدته عند “عبد الحكيم شريفي” بقي عنده عن والده، اقترحت له وقلت: أشتري منك هذا الكتاب بغنم -وكان ثمن الغنم ١٣٠ تومانا، وهذا المبلغ كثير آنذاك- وأنفِقه إيصالا للأجر على أبيك، فقَبل، وجئتُ بالكتاب إلى والدي فسرّ به جدا، وكان يقرأ لنا كل يوم، حتى مضت مدة، وجاء أخو صاحب الكتاب “خواجه محمد صديق” يطلب الكتاب عن والدي لـ”عبد الغفور رجبعلي زادة” للمطالعة، فأعطاه الكتاب والدي، لمّا حضرتُ وعلمت أن الكتاب ليس، حزنتُ وتأسفت، وقلت لوالدي: أنا اشتريته! فلما رأى حزني وهمّي لأجل الكتاب، ركب حماره وسافر إلى تايباد عند الشيخ “حسن الصالحي” – رحمه الله- -وكان صديقا حميما له- وأخذ منه كتاب “معارج النبوة” وأتى به وقال: أقرأ لكما من هذا مكان “نثر الدرر”.

خدماته: 

من خدماته أنه كان إماما يصلّي في قرية “قادرآباد” من أرياف تايباد مدة، وأيضا قرابة ثمان سنوات في قرية “كُشكَك عثمان خان” من أعمال تربت حيدرية، وبالمزارعين في بعض نواحي ريزة -المسماة بـ”چاه ملّي” سنتين و”چاه حاج ميرأحمد” سنة- وكان له كُتّاب يعلّم فيه أبناء المسلمين القرآن الكريم، وبعض الكتب الأخرى الفارسية كديوان الشاعر الحافظ الشيرازي و”خمس رسائل” (پنج کتاب)، وأربعين في الحديث، ولاشك أنّ هذه الخدمات صدقة جارية له.

من تلامذته:

“عبد الغفور وأخوه عبد الحكيم رجبعلي زادة” و”عبد الحكيم عبد اللهي” و”عبد الغفور رحيمدادي” و”عبد الكريم ميرهادي” و”رحمت صفري” و”غلام أحمد صمدي” -رحمهم اللّٰه- و”عبد السلام واحدبور”، و”غلام نبي واحد بور” وآخرون.

التداوي بالصدقة والدعاء:

قال ابنه عبدالرشيد: من عادته أنّه لمّا كان يمرض أحد من أسرتنا يعالجه بالصدقة، والدعاءحيث يرقيه بالأدعية المأثورة، ويأمرني أن أذهب إلى دكّان وأشتري شيئا وأذهب به إلى محتاج، وقد ورد في الحديث: “داووا مرضاكم بالصدقة”. رواه الطبراني، والبيهقي.

وصاياه، ونصائحه:

قال ابنه عبدالرشيد: ممّا يؤكد عليه والدي -رحمه الله- أشد التوكيد، إقامة الصلوات الخمس، وكان يقول: “إنّ الله خلق الخلق وتكفل رزقه، فلا تتركوا صلاتكم لأجله”. وقال: “إني لمّا أفرغ من الصلاة وأرى أولادي خلفي هذا يسرّني ما لا يسرّني غيره من متاع الدنيا مهما كبر وعظم”.

وقال أيضا: “احترموا طلاب العلم والعلماء، لأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم، الزموا مجالسة العلماء، وأحِبّوهم، فإنّ هؤلاء قوم يحبّهم الله، واطلبوا منهم الدعاء”.

وقال أيضا: “تمسّكوا بدينكم، إن الإنسان يصل إلى ما قُدّر له بلازيادة ونقصان”، وممّا يوصينا به دائما أمر الآخرة، ولم يرغّبنا إلى الدنيا أصلا.

أولاده:

ترك بعده ثمانية أولاد، اثنان من زوجته الأولى أحدهما ابن والآخر بنت، والشيخ فيض محمد السلجوقي -رحمه الله- أحد العلماء البارزين في المنطقة حفيده من بنته، وابن ابن بنته نذير أحمد السلجوقي- حفظه الله- عالم شابّ درس سنوات بجامعة أنوارالعلوم خيرآباد وهو الآن إمام يصلي بالناس في مسجد بمدينة تربت جام، والشيخ عبدالستار الأعظمي أحد العلماء الصالحين بريزة حفيده من ابنه، لمّا توفيت زوجته مكث وصبر في تربية ولديه ولم يتزوّج أربع عشرة سنة حتى كبرا، ثمّ تزوّج ثانية وأنجب منها ستة أولاد، خمسة أبناء وبنتًا، وكلهم بحمد الله وبحسن تربيته ودعاءه أهل فضل وشرف بين الناس.

وفاته:

توفي -رحمه الله- عام ١٣٥٩ش بعد أداء الحج بسنة تقريبا، ودفن بمقبرة ريزه.

قال الشيخ عبدالستار الأعظمي -حفظه الله-: كان يُحبّ أن يدفن فيها، ولهذا غادر في أواخر حياته قرية كُشكَك التي أمّ بها الناس شطرا من حياته، وعاد إلى موطنه ريزه.

———–

استفدت في تحقیق الموضوع عن عبدالرشید الأعظمي، وعبدالرزاق الأعظمي، وعبدالستار الأعظمي، وعبدالسلام واحدبور، ووالدي محمد رحیم، وسافرت إلی قریة كُشكَك وهي علی بُعد۸۰ کیلومترا من ریزة، وذهبت إلی من قرأ عنده القرآن الکریم کـ محمدظاهر سلجوقي، ومحمد یعقوبي، وحفیده أحمد سلجوقي، وقد أکرمني بالغداء ووجدته حسن المشرب، کریما، وعند أم‌الحسین سلجوقي وهي عجوز أرضعت مصطفی الأعظمي ابن الشیخ غلام حسن -رحمه الله-.

 

 

  • الكاتب: عبد الغفار ميرهادي