كنت مشتاقا لاستماع كلمة الأستاذ يوم الجمعة، وأنتظر لها، وكان يلقي الخطابة من حين لآخر، وكان خطابه متينا، رصينا، ليّنا، مزوّدا بالاستدلال، ولم يكن جهوري الصوت يصيح، شأن كثير من الخطباء، وينبعث كلامه من القلب ويهبط فيه.

إنّ الله سبحانه وتعالى يرفع بعض الأفراد درجات، ويضع لهم القبول في الأرض، ويجعل في قلوب عباده حبهم وودّهم، يجعلهم أسوة للآخرين، حياتهم عامرة بالأعمال الصالحة، مصحوبة بالإصلاح والتوفيق، ومن البركة والسعادة مصاحبتهم ومجالستهم، من هؤلاء الشيخ المفتي محمود أشرف العثماني-رحمه الله- الأستاذ بدارالعلوم كراتشي-صانها الله عن كل مكروه- نعيت الأستاذ عشية الأحد لخمسة بقین من رجب، فاسترجعت، وتأسفت على رحيله، وفقدانه للمراكز العلمية، كان -رحمه الله- نجما متلألئا في الجامعة، أسطورة الأدب في معاملته وشؤونه كلها، يفيض منه الأدب من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، يتكلم بالدرر، ما رأيت مثله أعذب نطقا، وأجمل بيانا، وأعدل سلوكا، كان مربّيا موفّقا، محترما الصغار والكبار، مراعيا حقوقهم، يجذب الآخرين حسنُ سلوكه، معتدلا، عميق النظر وبعید الغَور في المسائل، كثير الاتباع لسنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، يطابق عمله قوله، متواضعا، وقورا، عبقريّا، فقيه النفس، يستخرج النكات التربوية والنافعة خلال تدريسه الحديث الشريف، قلّما يجود الزمان بمثله.

حياته العلمية:
إنّه -رحمه الله- تلْمذ على أساطين العلم في زمانه، ونهِل من معينهم الصافي الزُلال كالشيخ العلامة محمد إدريس الكاندهلوي صاحب التأليفات الكثيرة النافعة، والشيخ المفتي العام محمد شفيع العثماني، وحكيم الإسلام المقرىء محمد طيّب القاسمي، وهما من أجلّ تلاميذ العلامة أنورشاه الكشميري، والمفتي جميل أحمد التهانوي تلميذ العلامة سهارنفوري ، والشيخ رسول خان تلميذ شيخ الهند، وغيرهم، -رحمهم الله-، وتخرّج في الجامعة الأشرفية بمدينة لاهور، ودرس التخصص في الإفتاء بجامعة دارالعلوم كراتشي، وصحب كبار العلماء والمشائخ في وقته، وانصبغ صبغتهم الربّانية، وانتفع من مجالس الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي-رحمه الله- بالمدينة المنورة، كما أنه التحق بالجامعة الإسلامية بالمدينةالمنورة، ودرس فيها قرابةسنتين، واستفاد من شيوخها كابن باز -رحمه الله- وكان يذكر أساتذته كلهم بكمال الاحترام والأدب، ويترحّم عليهم. وقام بواجب التدريس بالجامعة الأشرفية بلاهور سنين، ثمّ بجامعة دارالعلوم كراتشي منذ عام١٤١١هق، وبذلك أصبح شيخ الحديث، والفقه، والإفتاء.
ذكريات لاأنساها:
*من توفيق الله عليّ الالتحاق بجامعة دارالعلوم كراتشي، كانت بداية العام الدراسي، قلتُ في نفسي: لابد من الارتباط مع الأستاذ والاستفادة منه أكثر فأكثر، يوما كنت خلف الأستاذ بمرأى منه، أنتظر فراغه من صلاة النفل والدعاء في المغرب لأتحدث معه في موضوع، ثم قام الأستاذ وما إن أخذت بالكلام حتى قال لي بلهجته الجميلة: أنا لا أسمع كلامك؛ لأنّك أردت أن أقطع صلتي وارتباطي بالله وأتوجه إليك، ثمّ ذهب، وقفت مكاني متأملا وقلت في نفسي: سبحان الله! انظر إلى أدبه الرفيع مع الله تعالى!. هكذا علّمني درسا جميلا تربويّا لاأنساه أبدا.
*كانت الأساتذة-لاسيماالشيخ المفتي محمد تقي حفظه الله- والطلاب يحبّونه كثيرا، وأنا المسكين منهم، وكنت لاأشبع من النظر إليه، مرِض الأستاذ مرة عندما كنت طالبا في دورة الحديث سنة١٤٢٧هق، فارتجّت الجامعة، واغتمّت الطلبة، وحزنوا جميعا، وإنّي أتذكّر أنّ الأستاذ الشيخ محمدتقي -حفظه الله- في ذلك اليوم قام بعد صلاة العصر مباشَرة من ناحية المسجد وأمر الطلاب أن يدعوا لصحته وسلامته، فأخذوا يذكرون ويدعون الله تعالى كل يوم لشفائه، وقد اتصلتُ عبرالهاتف بوالديّ(بإيران،خراسان) وطلبت منهما الدعاء له، ثمّ بعد شهر ونصف شهر تقريبا حضر الأستاذ الصف، فسُررنا بحضوره ولقاءه جدا، ونفخ فينا روحا جديدة.
*وفي أيام مرضه تلك ذهبت مع زميلي وصديقي محمد ذاكري فر-وهو الآن أستاذ بجامعة دارالعلوم زاهدان- إلى بيت الأستاذ لعيادته، كنا جالسين معه في ساحة البيت، ونتمتّع من الحضور عنده، والجلوس معه، والاستماع إليه، فإذا بشيخ الإسلام محمد تقي -حفظه الله- تشرّف وجاء، ثم خلا الأستاذ بالشيخ في ناحية أخرى، وخرجنا من البيت مسرورين لحُسن حاله.
*وفي تلك الأيام ألّف الأستاذ رسالة«ائمه اربعه كى دربار ميى» (عند الأئمة الأربعة)، جمع فيها بعض أقوال ووصايا للأئمة الأربعة المتبوعين في الفقه، وأهداها لطلبة دورة الحديث، وهكذا أهدى إلينا كتابَ»المُغني في ضبط أسماء الرجال» للعلامة المحدّث محمد طاهر الهندي الفِتني-رحمه الله-(۹۸۶هـ)، وهو كتابٌ قيّم في موضوعه.
*وكان للأستاذ في تلك الأيام جلسة إصلاحية يوم الاثنين بعد صلاة العصر في منزله، يحضرها بعض الطلاب، وقد أكرمني الله بالحضور فيها مرتين.
*حان حفلُ تكريم الطلاب لدورة الحديث وتتويجهم بالعِمامة آخر السنة، وإني أتذكّر أنّ الأستاذ وضع عمامتي على رأسي.

أسلوبه في التدريس:
له أسلوب رشيق رائع في التدريس، يُدرّس المشاهد والمغازي من صحيح البخاري، كأنه في الميدان ويُخبرنا عن كميّاتها وكيفيّاتها، وهذا يرجع إلى دقّته، وسعة مطالعته، ومهارته، وسلاسة بيانه.
مرة قال الأستاذ عن منهج التدريس: لابد للأستاذ أن يترجم العبارة، ثم يذكر الغرض والهدف من العبارة ، ثم يجيب عن الأسئلة المقدّرة، ثم يأتي دور الأبحاث المتعلقة بالموضوع.

أسلوبه في الخطابة:
كنت مشتاقا لاستماع كلمة الأستاذ يوم الجمعة، وأنتظر لها، وكان يلقي الخطابة من حين لآخر، وكان خطابه متينا، رصينا، ليّنا، مزوّدا بالاستدلال، ولم يكن جهوري الصوت يصيح، شأن كثير من الخطباء، وينبعث كلامه من القلب ويهبط فيه.

جوانب أخرى منه:
*- كان -رحمه الله- محافظا لأوقاته، مرة كان الأستاذ يتحدث في الصف عن حجّية السنّة، وكانت الدلائل مكتوبة لديه في ورقة، ثم في وقت آخر خارج الصف ذهبت إلى الأستاذ وقلت: مِن فضلك أريد الورقة لأستنسخ لي، قال: ايتِ باب المنزل غدا في الساعة الحادية عشرة، فحضرت رأس الموعد، ودققت الباب فأخذت الورقة منه فكأنّ الأستاذ ينتظر الموعد.
*- كان -رحمه الله- يُركّز في تربية الطلاب، خلال تدريسه وكلامه. سمعت منه مرة: إني تركت التأليف، وأجتهد في تربية الطلاب؛ لأنهم علماء وأئمة الناس وقدوتهم في المستقبل، وإنّ صلاح المجتمع بصلاحهم، وفساده بفسادهم.

من نصائحه:
سمعت من الأستاذ-رحمه الله- نصائح قيّمة كتبتها فور إلقائها في الصف وأقدّم بعضها:
*- لابد لكل أستاذ أن يُعلّم تلامذته كلمة «لا أدري».
*- لاتفخروا على الآخرين بما تفعلونه من العمل الصالح، قاله ذيل حديث: «إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر».
*- اللذة والحلاوة -في العبادات- محمودة، ولكنها ليست مقصودة.
*- لسوء الظن لابد من دليل، ولاحاجة إلى الدليل لحسن الظن.
*- إنّ من طرق حفظ الأدعية، قراءة المناجاة المقبولة أو الحزب الأعظم-يوميا-.
*- لاتتركوا تلاوة جزء-على الأقل- من القرآن الكريم يوميا.
*- أحسنُ وِرد عند الشدائد» حسبي الله ونعم الوكيل» قاله
بعد ذكرقول ابن عباس-رضي الله عنهما-:كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار».
*- حُسن السؤال نصف العلم.

خدماته العلمية:
ترك الأستاذ -رحمه الله- كتبا ورسائل ألّفها، يتجاوز عددها الثلاثين، منها ما هو علمية ك»عقيدة الإمامة وحديث غدير خم»، و «الألعاب الرياضية في ميزان الشرع» ومنها إصلاحية:كـ« البيعة على التقوى»و«واجب العلماء»و»طريقة الإنفاق في سبيل الله» و«الاهتمام بصلاة الفجر» وغيرها، وكلّها بالأردوية على حدود علمي. وقد نُقل بعضها إلى الفارسية.
وأجاب عن استفتاءات كثيرة يتجاوز عددها المئات، وكان مُشرفا على طلبة التخصص في الفقه أيضا يُرشدهم، ويُصحّح أجوبتهم للاستفتاءات.
وله مقالات في موضوعات مختلفة طُبعت في مجلة «البلاغ» الأردوية الصادرة من جامعة دارالعلوم شهريا.
وكان معلّما حاذقا، ناشرا للعلوم الشرعية من التفسير، والحديث، والفقه وغيرها، وله تلاميذ كثيرون لايُحصَون في داخل البلاد وخارجها. ولاشك أن ما ذُكر، صدقة جارية له، وقد ورد في الحديث الشريف: إنّ ممّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: «علما علّمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومُصحفا ورّثه،…الحديث.( رواه ابن ماجه، رقم الحديث٢٤٢).

ولادته وانتماءه:
وُلد -رحمه الله- في ثمان من شعبان عام ١٣٧٠هق، ووالده»زكي كيفي» كان أديبا شاعرا، وجدّه الشيخ المفتي العام محمد شفيع العثماني -رحمه الله-، وعمّه الشيخ المفتي محمد رفيع، وشقيقه شيخ الإسلام المفتي محمد تقي العثماني-حفظهما الله- وهما اللذان قد شرّقا وغرّبا، وسارت بهما الركبان، إنه -رحمه الله- ينتمي إلى أسرة علم، وفقه، وصلاح، وقرأت في مقالة أنّ سلسلة نسبه ترجع إلى سيدنا عثمان -رضي الله عنه-.
أولاده:
للأستاذ خمسة أولاد، بنت وأربعة بنين، وهم: حمّاد أشرف، وسجّاد أشرف، وعبّاد أشرف، وورّاد أشرف، توفي حمّاد أشرف في حياته وكان عالما تخرّج في الجامعة الأشرفية بلاهور، ومن حُسن حظي أني كنت زميلا لولده «سجّاد أشرف» في السنة الأخيرة للدراسة.حفظهم الله ورعاهم.
وفاته:
توفّي الأستاذ المكّرم، عشية الأحد في ٢٥ /رجب المرجب/١٤٤٣هق، عن عمر يناهز٧٣ عاما، صلّي عليه في الساعة١١:٣٠مساء، ودفن بمقبرة دارالعلوم. اللهم ارحم أستاذنا، وارفع درجته، واحشره مع الأنبياء والصديقين، وأسكنه فسيح جناتك، اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره.