إنّ الناس یقترفون المعاصي بالجهل تارة وبالتجاهل أخرى. إنّي أعتقد أنّ کثیرا من الناس يرتکبون المعاصي متجاهلین مبرّرین، وهذه شبكة اصطيد بها الکثير من أهل الأهواء؛ یرتکبون الذنب وعندهم تبریرات یحسبون أنفسهم أهل الخير فضلا عن أن یجعلوه مباحا.

حمدا لله وشکرا للقائمین بمجلة «الأنوار» أساتذتي وزملائي، شکرا لهم علی مساعيهم ومثابرتهم وإلحاحهم على کتابة الإخوة. بارك الله فيهم وتقبل مساعیهم. فها أنا ملبیا لأمرهم أکتب بزعمي عن مشکلة عشتها وحلّها في رأیي، علّها تفید القارئین الکرام. وهذا دأبي في أکثر المکتوبات، أکتب خواطري، والسبب التقاعس عن الکتابات العلمية التي یقوم بها أصحاب الهمم العالية.
إنّ الناس یقترفون المعاصي بالجهل تارة وبالتجاهل أخرى. إنّي أعتقد أنّ کثیرا من الناس يرتکبون المعاصي متجاهلین مبرّرین، وهذه شبكة اصطيد بها الکثير من أهل الأهواء؛ یرتکبون الذنب وعندهم تبریرات یحسبون أنفسهم أهل الخير فضلا عن أن یجعلوه مباحا.
ما أبلغ حکمة الله إذ خلق الناس مختلفين في العقول والميول والطبائع. هذا ذکي وذاك غبي، أخ في احتیاج أخوه ثري، وهکذا تجد إنسانا مليئا بنعمة في حین أخوه یفقد نفس النعمة.
کل ذلك بحکمة الله سبحانه وتعالى لنقدر النعم ولیتخذ بعضنا بعضا سخریا، ولیتّعظ بعضنا ببعض، فکثیرا ما جعل الله تعالى في فعل أخيك ما تتذکر به أنت، وکثیرا ما یفعل الرجل أمرا لا یرى به بأسا فإذا بأخیه یشیر فيه بخطأ أظهر من الشمس. إذًا فعلى المسلم الفطن أن یتعظ بغیره وأن یختار الأحسن فی کل شأن بمشورة أهل التجربة والخبرة.
حملني علی کتابة هذه السطور ما سمعت من إحدى أقربائي ترغب أخرى في الحضور في حفلة عرس لا یراعي أصحابه حدود الشریعة مبررة بأنّك لا تشتركين في الرقص وغیر ذلک؛ بل تحضرین صلةً للرحم. رأیت أنّ نفسها اغترّت بهذا فبدأت تغرّ غیرها. فمنذ سمعت الکلام وقد قرع أذني قبل ذلك، قلت في نفسي الکلام یکاد یصیر داء، فقرّرت أن أکتب کلمات حول الموضوع؛ فإن کثیرا منّا یبرّر ذنوبه بما هو حق أرید به باطل.
صلة الرحم
مذ عصر النبي -صلى الله علیه وسلم- إلى الآن عاش في کل زمن من یحید عن الصواب بما یتعرض لبعض جوانب الشریعة ويغفل جوانب أخرى. هذا ما یعبر عنه بالإفراط والتفریط؛ إفراط فیما رآه حقا وغلا فیه، وتفریطا فیما غفل عنه، أو لم یطّلع علیه.
إنّ من أحکام الشرع القویم وصل الرحم (تعاهد الأقرباء)، فالله سبحانه وتعالى جعل صلة الرحم من الأمور المهمّة في حیاة المسلم، حتّى أنها ممّا یشفع للعبد یوم القیامة. ولکن ما یجب الالتفات إلیه أنّ حقها لیس بأحق من حقّ ربها، وکذالك کل مأمور في الشریعة، لابد أن یُنَزِّل کلّ شيء منزلته دون غلوّ وإهمال.
من الواضح أنّ الذي یحمله وصل الرحم على ارتکاب المعاصي لم یقف على أنّ صلته بربه أهمّ من صلته بأقربائه. فینحتم على کل مسلم أن یعرف مراتب الأحکام؛ فيعطي للأولى أولويتها وللثانية رتبتها وهکذا… ؛ ثم هو إمّا له علم بذالك، أو یسأل أهل الذکر.
الصلة نصرة
إنّ الصلة لیست أن تجالس قریبك وتلقاه وتقضي معه ساعات فقط. ولم یقصد الشریعة تکریم الواصل وإخزاء القاطع لذلك فحسب. أما سمعت قول الله تعالى حیث یقول: « وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (الأنعام:۶)
إنّ واجب المسلم عندما شاهد عصیان الله أن یغيّر بیده، فإن لم یستطع فبلسانه، فإن لم یستطع فقلبه؛ کما ورد في الحدیث الشریف. ومن لم يهمّه معصیة الله فیوشك أن یعذّب مع العاصین. والصلة والنصر عندئذ بالمنع والأخذ على یده کما أمر رسول الله -صلى الله علیه وسلم-: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما قال: «تأخذ فوق يديه» (صحیح البخاري، ۲۴۴۴)
ولیس له أن یجالس الذین لا یبالون حکم الله فیکون مثلهم؛ کما قال جلّ وعلا : «إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ» (النساء:۱۴۰)؛ بل علیه بعد النهي أن یترکهم.
روى أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يا هَذا، اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ»، ثُمَّ قالَ: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ» إلى قَوْلِهِ «فاسِقُونَ». المائدة ۷۸ إلى ۸۱، ثُمَّ قالَ: «كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدَيِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، ولَتَقْصُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا»
فیا أیها المسلم!
لا تقدم على شيء إلا لک به علم أو تسأل عنه من به عالم؛ لئلا تکون من الأخسرین أعمالا؛ قال تعالی: « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (۱۰۳) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(١٠٤)». (الكهف)
أقول قولي هذا، أستغفر الله لي ولکم ولسائر المسلمین، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحیم.

  • الكاتب: قاسم حسيني