بحسب الإمكان؛ فإنهم منزّهون عن الشهوات، والانسان رتبته فوق رتبة البهائم؛ لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة؛ لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلما انهمك في الشهوات انحطّ إلى أسفل السافلين، والتحق بغمار البهائم، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة».

قد خلق اللّه الإنسان وسطا بين الملائكة والحيوانات، ورُكّبت فيه طبائع هذين الجنسين المتناقضين، فهو مزيج من الخواص الملكية والخواص الحيوانية؛ أحيانا تغلبت فيه الطبيعة الملكية فيتجرّد عن الدنيا وما فيها من القصور الشامخة والأبنية العملاقة، ولهج لسانه بالذكر وقلبه مطمئن بالإيمان، لا أحزنته هموم الدنيا ولا تشغل باله، إذا كثرت مصائبه فازداد إيمانه باللّه، كما قال اللّه تبارك وتعالى : «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴿۱۷۳﴾«. آل عمران. ولا تسطيع الدنيا أن تُظهر نفسها له؛ لأنه تفتح فيه الكوة إلى الملكوت الأعلى، ويشعر بالحلاوة التي تعجز لغات الأرض أن تعبّر ما جرى في ضميره من اللذة والبهجة والسرور، ويحلّق روحه في الأجواء الفسيحة التي لا نهاية لها، ورأى ألوانا وأشكالا، لا يقدر أن يصفها للآخرين ويخوض في المعاني بدلا أن يخوض في الكلمات، يسكت كثيرا بدلا أن يُكثر في الكلام، يتبسم بدلا أن يقهقه كما نُقل في كتب السِيَر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «وَكَانَ طَوِيلَ السُّكُوتِ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ وَيَخْتَتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلَامِ، فَصْلٌ لَا فُضُولٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ، وَإِذَا كَرِهَ الشَّيْءَ عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا. وَكَانَ جُلَّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، بَلْ كُلُّهُ التَّبَسُّمُ، فَكَانَ نِهَايَةُ ضَحِكِهِ أَنْ تَبْدُوَ نَوَاجِذُه».
هو يصطبغ بالملائكة الذين كانوا يعكفون على عبادته وتسبيحه وتمجيده وتقديسه وينخرط في سلكهم ويرفض الألواث البهيمية ويترك ما لا يعنيه، ولا يعبث ولا يلهو ولايلعب؛ بل استجمع قواه وأفكاره علام خُلقوا لأجله كما قال الله عزّ وجلّ: «وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ»
أما إذا تغلّبت فيه الطبيعة الحيوانية تبدو فيه الصفات البهيمية استجمت أفكاره على الشرب والأكل والشهوة، لا یتبع أمرا هادفا في حياته؛ بل يخبط خبط العشواء، كما قال الإمام الندوي في هذا الموضوع: «إذا تغلبت فيه الطبيعة الحيوانية وملكت زمام الحياة، واستحوذت على مشاعر الإنسان وحواسه، وأصبحت «المعدة» هو القطب الذي تدور حوله الحياة، شُقّ على الإنسان كل ما يحول بينه وبين رغبته، وما يشغله عن إرضاء نهمته، وكل ما يذكّره بمبدئه ومصيره وما يصور له الحساب، والاحتساب، والجزاء والعقاب، فلا يجد في أعوام طوالٍ وقتا صافيا، وقلبا فارغا، وعقلا يقظا، وضميرا حيّا؛ فتثقل عليه العبادة والذكر وما يتصل بهما، ولا يجد لذتهما بطبيعة الحال… «وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿۴۵﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿۴۶﴾« البقرة. «وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»
نحن نعيش في عصر لقد ازدادت الفتن وتفاقم الشر، وأنشبت الشهوات أظفارها في المجتمع، وأرادت أن تهدم مقاييس القيم ولا يستطيع أي قانون وحكم أن يسُدّ نفوذها، كالسيل الجارف يجري ويسيل بسرعة ويدخل في كل حفرة ونقب ولا يُبقي مكانا جافا إلا أحاط به الماء.
مع الأسف البالغ لا يسلم من هذه الشهوات الشيوخ الذين هم على شرف الموت، ويعدّون  الثواني الأخيرة من عمرهم؛ بل تسربت في قلوبهم لذتها، ويعملون أعمالا يستحيي الإنسان من ذكرها وتردادها؛ بل نقف حائرين مبهوتين من شدة وغلظ هذه الفتن، ويذكّرنا حديث الرسول حيث قال: «أللهم نعوذبك من نفس لا تشبع…»
نعم إخواني في الله أين المفر؟ و أين الملجأ؟ وأين ساحل الأمن؟ إلى أي مكان نفر؟ وإلى أي مكان نأوي؟ وإلى أي مكان نلجأ؟ ، لقد يجيبنا الله  في القرآن إجابة رائعة تهزّ المشاعر والمواهب فقال: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: «فَفِرُّوا إلى اللَّهِ» فِرُّوا مِنهُ إلَيْهِ، واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فِرُّوا مِمّا سِوى اللَّهِ إلى اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ: اهْرُبُوا مِن عَذابِ اللَّهِ إلى ثَوابِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
لقد اقتضت رحمة الله أن يرشدنا ويهدينا إلى أمور تخرجنا من هذه الطبيعة البهيمية الفاسدة وتقوي فينا الطبيعة الملكية حتى نستطيع أن نغلبها وتكون خاضعة لنا.
إحدى هذه الأمور هي تشريع الصوم، وقد أشار إلى ذلك حجة الاسلام الغزالي في أسلوبه الخاص، فقال: «المقصود من الصوم ، التخُلّق بخلق من أخلاق اللّه عز وجل و هو الصمدية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات
بحسب الإمكان؛ فإنهم منزّهون عن الشهوات، والانسان رتبته فوق رتبة البهائم؛ لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة؛ لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلما انهمك في الشهوات انحطّ إلى أسفل السافلين، والتحق بغمار البهائم، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة».
ويزيده العلامة ابن القيم إيضاحا وتفصيلا فيقول: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تُزكّوا به مما فيه حياتها الأبدية ويكسّر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها بما للأكباد الجائعة من المساكين وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكِّن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه،
فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقرّبين.
نحن الآن في شهر شعبان وكاد أن يطلع لنا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وهو ربيع المؤمنين الذين كانوا ينتظرون هذا الشهر انتظار الطفل الجائع إلى ثدي أمه ويستقبله استقبال الأم الحنون لولده المفقود الذي فُقد سنين طوالا. كانوا يعدون الدقائق، وإذا أدركوا الشهر انحدرو إلى الأعمال كما ينحدر الماء إلى الحدور.
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جاء شهر رجب دعا الله بالبركة في هذين الشهرين والوصال برمضان، وإذا اقترب زمانه يبشر أصحابه بهذا الشهر المبارك؛
فقد جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه: «قد جاءكم شهررمضان،
شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» رواه الإمام أحمد في مسنده.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أبْوَاب الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ». وجاء في شرح هذه الرواية: أخبر أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين»، فهذه ثلاثة أشياء تكون في رمضان: أولاً: تفتح أبواب الجنة ترغيباً للعاملين لها بكثرة الطاعات من صلاة وصدقة وذكر وقراءة للقرآن وغير ذلك. ثانياً: تغلق أبواب النيران، وذلك لقلة المعاصي فيه من المؤمنين. ثالثاً: تصفد الشياطين، يعني: المردة منهم؛ كما جاء ذلك في رواية أخرى -أخرج هذه الرواية النسائي في سننه، وأحمد في مسنده، والمَرَدةُ: هم أشد الشياطين عداوة وعدواناً على بني آدم، والتصفيد معناه الغَلُّ، يعني: تُغَلُّ أيديهم حتى لا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، وكل هذا الذي أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- حق أخبر به نصحاً للأمة، وتحفيزاً لها على الخير وتحذيراً لها من الشر.
لقد عقد الله مأدبة فاخرة في هذا الشهر المبارك، ودعا العباد إليها، علينا ألا نقضي لحظة في غفلة ولهو ولعب؛ بل نعكف على عبادته وذكره وتمجيده؛ لأن الوقت كالسيف
إن لم تقطعه قطعك، ولا يصبر لأحد بل يمر مر السحاب.
  • الكاتب: نعيم فاضلي