فالإنسان یحتاج لإصلاحه إلی الشیخ الکامل، لإنّه هو الذي یعرف بهذه الأمور، ویعرف علاج نقائص الباطن، ومارس مداواتها، ویعلم أعمالاً وأشغالاً تستعدّ النفس للإصلاح والتزکیة، ولکنّ کثیراً من الناس ظنّوا الإرادة، والشیاخة، والبیعة لازمة التصوّف أو حسبوا البیعة الصرفة کافیة وهي جهالة خالصة، لأنّ الغرض الحقیقي من الشیاخة والإرادة هو إصلاح الأعمال الظاهرة والباطنة وعلی […]

فالإنسان یحتاج لإصلاحه إلی الشیخ الکامل، لإنّه هو الذي یعرف بهذه الأمور، ویعرف علاج نقائص الباطن، ومارس مداواتها، ویعلم أعمالاً وأشغالاً تستعدّ النفس للإصلاح والتزکیة، ولکنّ کثیراً من الناس ظنّوا الإرادة، والشیاخة، والبیعة لازمة التصوّف أو حسبوا البیعة الصرفة کافیة وهي جهالة خالصة، لأنّ الغرض الحقیقي من الشیاخة والإرادة هو إصلاح الأعمال الظاهرة والباطنة وعلی الأخص الأمراض النفسیّة.
فلو کان الشیخ والمرید مَعنِیّین بالإصلاح والعلاج عنایة تامّة، فالبیعة التقلیدیّة الصرفة لیست بواجبة إذن، غیر أنّ الإنسان کما یلتمس للأمراض الجسدیّة طبیباً، حاذقاً، کذلک یجب الاعتناء بطبیب الباطن الذي یداوي الأسقام النفسیّة ولذلک لا بدّ من عرفان سِمات الشیخ الکامل وهي:
۱ـ أن یحمل من العلم، القدر الذي لا غِنیً عنه.
۲ـ أن یکون محافظاً علی الشریعة في العقیدة، والعمل، والخلق جمیعاً.
۳ـ أن لا یکون حریصاً علی الدنیا ولا یزعم لنفسه الکمال، لأنّه کذلک شعبة من حبّ الدنیا.
۴ـ ویکون قد قضی مدّة في صحبة شیخ کامل.
۵ـ وأن یحسن العلماءُ والمشیخةُ المعاصرون المنصفون الظنَّ به.
۶ـ أن یرغب إلیه الخاصّة والعقلاء المتدیّنون أکثر من العامّة.
۷ـ والّذین بایعوه کان أکثرهم أحسن حالةً من حیث الشرع وقلّة الحرص في الدنیا.
۸ـ یکون عطوفاً ومهتمّاً بحال مریدیه في تعلیمهم، وتلقینهم؛ وکلّما رأی فیهم سوءً أو سمعه، نعی علیهم ومنعهم منه، لا أن یدعهم علی حالهم کیفما کان.
۹ـ الجالس في صحبته یشعر بالنقصان في حبّ الدنیا والزیادة والتقدّم في حبّ الله.
۱۰ـ أن یکون ذاکراً شاغلاً بالله؛ إذ بغیر العمل والعزیمة لا تحصل البرکة في التعلیم.
الشریعة والطریقة:
الشریعة اسم لمجموع الأحکام التکلیفیّة، وهي یحتوي الأعمال الظاهرة والباطنة جمیعاً وکان مرادفاً للفقه لدی المتقدّمین، کما أثر عن الإمام أبي حنیفة في التعریف بالفقه:«معرفة النفس ما لها وما علیها» ولم یزد الإمام «عملاً» لأنّه أراد الشمول، ثم جاء المتأخّرون فأصبح في مصطلحهم العنصر من الشریعة الذي یخصّ الأعمال الظاهرة فقهاً، وأمّا ما یخصّ الأعمال الباطنة من شعب الشریعة فصار تصوّفاً، فلیعرف أنّ هذین لیسا بمتخالفین ولا متضادّین وأنّ التالي یکمل الأوّل.
ویقال لطرق هذه الأعمال طریقة، ثمّ ما یتولّد من الصفاء والإنجلاء في القلب لصلاح هذه الأعمال الباطنة فیکشف للقلب بعض الحقائق الکونیّة المتعلّقة بالأعیان والأعراض وعلی الأخص الأعمال الحسنة والخبیثة والحقائق الإلهیّة من صفاته، وعلی الأخص المعاملة التي بین الله والعبد ویقال لهذه المکشوفات حقیقة ویسمّی الانکشاف معرفةً.
أعمال السالک:
للسالک عملان؛أحدهما لازم، یعني مزاولة الأحکام الشرعیّة الظاهرة والباطنة؛ وأخرهما وهو مستحبّ، وهو إکثار الذکر، فمزاولة الأحکام تأتي برضا الله.
فعلمنا من هذا أنّ خلاصة التصوّف الإسلامي هي توخّي رضا الله سبحانه وهي تقتصر وتنحصر في استدامة ومزاولة الأعمال الظاهرة والباطنة کاملةً، وأنّ لهذه الأعمال درجتین: أحدهما، للفرائض والواجبات التي تجب مزاولتها علی کلّ مسلم، ولذا یجب تحصیل تصوّف هذه الدرجة علی کلّ مسلم وجوباً لازماً وهو یسمّی الولایة العامّة.
والدرجة الثانیة، فهي درجة إکثار الذکر أو طلب زیادة الرضا والقرب، ولا بدّ فیه من أن یشتغل الظاهر بنوافل العبادات، والباطن والقلب في ذکر الله سبحانه دائماً، فلا یغفل أبداً وهي درجة مستحبّة.
التصوّف المحرّم:
وإن ساقه الاشتغال في هذه الدرجة إلی ضرر في شیء من أمور الدرجة الأولی أو ینقص فیها فالاشتغال في الدرجة الثانیة حینئذ محظور ومحرّم؛ مثل ما یفعله بعض الجهلة بأنّهم یهجرون الأهل والعیال ویشغفون بالدروشة، وهکذا تجد کثیراً من الجهلة یحسبون الأذکار والأشغال والمراقبات والریاضیات، أو الأحوال، غایات ومنشودة أصلیّة للتصوّف والولایة وهي جهالة خالصة، لأنّ المقصود هو أعمال الظاهر والباطن لا غیر، وأمّا بقیّة الأذکار والأشغال المتعارفة فلیست إلا تدابیر ووسائل لإصلاح الأعمال، أمّا الأحوال فهي الثمرات التي لیست بلازمة، أي الثمرات التي لا یلزم أن تظهر ولیس تحصیلها بواجب ولا منشود.
ــــــــــــــــــ
۱ـ {مقتبس من کتاب «بین التصوّف والحیاة» بتصرّف، للعلّامة عبدالباري الندوي}

محمود ميرسروري