«الدعوة إلی الله تعالی هي مهمة الرسل والأنبیاء، ثم خلفاء الرسل، العلماء العاملین والدعاة المخلصین الصادقین.»(۱) بل الله سبحانه وتعالی هو الداعي الأول: ( والله یدعو إلی دار السلام )(۲) یکفي في فضل الدعوة قول الله عزوجل:( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلی الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمین) (۳)وهذه من السنن الإلهیة، کان […]

«الدعوة إلی الله تعالی هي مهمة الرسل والأنبیاء، ثم خلفاء الرسل، العلماء العاملین والدعاة المخلصین الصادقین.»(۱) بل الله سبحانه وتعالی هو الداعي الأول: ( والله یدعو إلی دار السلام )(۲) یکفي في فضل الدعوة قول الله عزوجل:( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلی الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمین) (۳)
وهذه من السنن الإلهیة، کان یرسل في کل دور وزمان خیر خلقه (الأنبیاء والرسل) إلی الأقوام والأجیال بالرسالة ومهمة الدعوة. الدعوة إلی الله في الواقع، دعوة إلی النجاة والفلاح والسعادة. کلما خلا عصر ونسل عن الدعوة، ضعف الإیمان والاعتقاد في هذا العصر والنسل. وبعُد أهل هذا العصر عن النجاة والفلاح والسعادة، حتی أرسل الله رسولاً آخر ونفخ في القوم حیاة الإیمان والعقیدة بالدعوة إلی الله. و کانت دعوة الأنبیاء السابقة تختص بقوم أو قریة أو مدینة، ولما بعث الله محمداً ـ صلی الله علیه و سلم ـ إلی کافة الناس جمیعاً وأرسله رحمة للعالمین، بعث أمته کذلک لهذه الرسالة.
تمتاز بعثته ـ صلی الله علیه و سلم ـ عن بعثة سائرالأنبیاء والرسل بأنها کانت بعثة مقرونة ومزدوجة، کما قال الله سبحانه و تعالی: ( قل هذه سبیلي أدعو إلی الله علی بصیرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشرکین) (۴) وقال في مقام آخر: (کنتم خیر أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنکر وتؤمنون بالله …) (۵) واستعمل رسول الله ـ صلی الله علیه و سلم ـ والصحابة لفظ البعثة لهذه الرسالة في شأن هذه الأمة، کما قال ـ صلی الله علیه و سلم ــ:( إنما بعثتم میسرین…)(۶) وقال ربعي بن عامر ـ رضی الله عنه ـ أمام رستم قائد کسری و جیشه: ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلی عبادة الله ، ومن ضیق الدنیا إلی سعتها ومن جور الأدیان إلی عدل الإسلام ) (۷)
فالصحابة والتابعون أحسوا بهذه الرسالة والمسئولیة ونهضوا بها وأقام الله بهم الدین . ولکن في دورنا هذا، بعد مضي عصور بعیدة من خیر القرون، سارت الأمة مسیرة الأمم السالفة وابتلیت بنفس ما ابتلیت الأمم السابقة ، حینما ترکت الدعوة إلی الله وغفلت عن رسالتها الخطیرة. فخسرت وضعف إیمانها وأعمالها وانحط أخلاقها وحیاتها.
صور الإمام السید أبوالحسن الندوي– رحمه الله – حال الأمة في عصرنا هذا بقلمهه السیال: «العالم الإسلامي الیوم حائر بین دین لایسهل علیه العمل به والقیام بمطلبه لعادات نشأ و تربی علیها، و حکومات أفسدته، و شهوات لاتتفق مع عقیدته ورسالته ، وبین جاهلیة لاینشرح لها صدره لإیمان لاتزال له بقیة فیه ، إنه حائر بین فطرته التی تنزعه إلی الدین و تاریخه الذی یدفعه إلی الإیمان والجهاد، وکتاب الله الذی یقبل به علی الآخرة یبعث في نفسه الثورة علی المجتمع الفاسد والحیاة الزائفة، وبین التربیة العصریة التي تزین له المادیة و تطبعه علی الجبن و الضعف، إنه حائر بین شباب ثائر، ودم فائر، وذهن متوقد، وبین قیادة شائخة شائبة قد تفتت في العقلیة والحیاة، وحرمت الابتکار والإبداع؟! » (۸)
هذا حال الأمة في زماننا، فما الحل والنجاة والمخلص من هذا الانحطاط والتأخر؟! أجاب عن هذا السؤال الإمام مالک، إمام دار الهجرة – رحمه الله – بأن « لایصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ». یعني تحتاج الأمة مرة أخری بقیام عام وشامل لهذه الرسالة الخطیرة التی یتعلق بها نجاة البشریة بها، وفي ترکها ونسیانها، انحطاط العالم البشریة بأسرها. « وقد أصبح حال العالم الإسلامي وفساد أحوال المسلمین، وإنحرافهم عن جادة الإسلام ، وطغیان بحر المادیة أعظم وأوسع من أن یتدارک بجهود فردیة وخطب منبریة ودروس دینیة ورسائل دوریة ، ومحاربة الأفراد والأشخاص، إن السیل لا یمسکه إلا سیل مثله، والتیار لایدفعه إلا تیار أقوی منه، فلابد إذاً من کفاح عنیف، وصراع شدید، یغیر مجری الزمن ویقلب تیارالحیاة من جهة إلی جهة، ویحدث إنقلاباً في المجتمع والحیاة» (۹)
یقول الداعیة الکبیر، الدکتور یوسف القرضاوي حول رسالة الأمة الإسلامیة في هذا الدور، وحول الدعوة: « الدعوة إلی الله عز وجل هي الدعوة إلی دینه، واتباع هداه، وتحکیم منهجه في الأرض، وإفراده تعالی بالوحدانیة والعبادة، وإحقاق ما أحق الله، وإبطال ما أبطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، والجهاد في سبیل الله … وبعبارة موجزة : الدعوة إلی الإسلام خالصاً متکاملاً غیر مشوب ولامجزأ. ومثل هذه الدعوة إلی هذه المعاني لیست بالأمر الهین الذی یقابل بالإغضاء والسکوت، أوالموافقة والقبول، وکیف تقبل هذه الدعوة العقول الجامدة، أوالقلوب المریضة، أوالقوی المتسلطة، أو الفئات التی أضلها الهوی أو أغـــــــــرقها حب الدنیا ؟!!» (۱۰)
ویقول الأستاذ الندوي– رحمه الله – حول حل هذه القضیة العظیمة المهمة : « لیس حال الدعوة الدینیة ، التجدید الإسلامي بهین، فلیست رسالتها ومهمتها قلب نظام فقط، أو تغییر وضع سیاسی بوضع سیاسي آخر، ونظام اقتصادي بنظام اقتصادي آخر، ولا نشر الثقافة والعلم، ومکافحة الأمیة والجهل ، أو معالجة عیوب إجتماعیة ، أو خلقیة ، و إنما هي دعوة الإسلام التي تشمل العقیدة والأخلاق، والأعمال، والسیاسة، والعبادة، والسلوک الفردي والإجتماعي ، تتناول العقل، والقلب، والروح، والجسم وتعتمد علی تغییر عمیق في القلب والنفسیة، والعقیدة، والعقلیة، تنبع من القلب قبل أن تنبع من قلم أو صحیفة أو کتاب، وتنفذ علی جسم الداعي قبل أن یطالب المجتمع والأمة بتنفیذها.» (۱۱)
« لهذا کان لابد لهذه الدعوة العظیمة الشاملة من دعاة أقویاء، وهداة أشداء، ومبلغین صابرین، یتناسبون مع عظمتها وشمولها، قادرین علی أن یمدوا أشعة ضیائها في أنفس الناس وعقولهم وضمائرهم … بعد أن تشرق بها جوانحهم، وتستضیئ بها حیاتهم.»(۱۲)
« إن هذا الداعیة الموفق هو القوة المحرکة لعملیّة الدعوة، وحرکة سیرها وامتدادها، وهذا یجعل العنایة بتکوینه ، وإعدادها لإعداد الکامل أمراً بالغ الأهمیة، وإلا فإنه سیکون خیبة أمل للأمة جمیعاً، لکونه لم یتهیأ لحمل الرسالة، ولم یعد صالحاً لهدایة الناس !!.
والأمة الإسلامیة مع کافة أجناسها وألوانها ولغاتها لایمکنها أن تصل إلی المجد والعظمة والسیادة ، إلا بفضل رجالها المخلصین، ودعاتها الصادقین، وعلمائها العاملین . فبقدر ما یوجد في الأمة دعاة، و بقدر ما یتحرکون للدعوة إلی الله، وبقدر ما یکون عندهم من أخلاقیات إسلامیة عالیة، وأسالیب في التبلیغ ناجحة، وإشعاعات في الروحانیة مشرقة… فبقدر هذا کله یحقق الله الخیر علی أیدیهم، ویرفع بعزائمهم وتضحیاتهم رایة الإسلام عالیة خفّاقة مؤذنة بنصر مؤزّر، وفتح مبین، وعزّة إسلامیة ســـــــامقة.» (۱۳)
وما ذلک علی الله بعزیز.

المنابع و الإرجاعات
۱ـ ثقافةالداعیة، للدکتور یوسف القرضاوي، ص:۵
۲ـ یونس / ۲۵
۳ـ فصلت / ۳۳
۴ ـ یوسف / ۱۰۸
۵ ـ آل عمران / ۱۱۰
۶ ـ صحیح البخاري،کتاب الوضوء،باب صب الماء علی البول في المسجد،رقم الحدیث:۲۲۰، ص: ۹۵، مؤسسة الرسالة ناشرون،الطبعة الأولی
۷ ـ البدایة والنهایة، فصل في غزوة القادسیة، ج ۷ ص ۱۳۴ ، دار ابن کثیر ، الطبعة الثانیة
۸ ـ مقالات اسلامیة فی الفکر و الدعوة، للعلامةالإمام السید ابی الحسن علی الحسنی الندوی،الجزء الاول،ص:۱۵۶
۹ – مقالات إسلامیة في الفکر والدعوة، ص:۱۵۷
۱۰ – ثقافةالداعیة، ص:۵
۱۱ – مقالات إسلامیة في الفکر و الدعوة، ص:۱۵۷
۱۲ – ثقافة الداعیة،ص:۵
۱۳ – مدرسةالدعاة، للدکتور عبدالله ناصح علوان، ص:۱۴

السید شهاب الدین الموسوي