تحكي أم رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ قصة ولادته بشكل يعجب الإنسان، قالت: رأيت حين حملت به أنّه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله مارأيت من حمل قط كان أخف منه ولاأيسر منه، ووقع حين ولدته وإنّه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء […]

تحكي أم رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ قصة ولادته بشكل يعجب الإنسان، قالت: رأيت حين حملت به أنّه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله مارأيت من حمل قط كان أخف منه ولاأيسر منه، ووقع حين ولدته وإنّه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء .
كانت الدنيا في أظلم أدوارها وأحلكها حين ولد رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ ،بلغت الماديّة وعبادة الأوثان أوجها، وذروتها وطغت على كل شيء معروف، ونسي الإنسان في القرن السادس الميلادي خالقه وعكف على عبادة المعدة والمادة، يهلك الحرث والنسل، يئد البنات ويقتل بني نوعه بكل همجيّة وقساوة، ولايعرف الرحمة والرأفة، ولايخضع لقانون سماوي اللهم إلّا من شذّ منهم واعتكف في الغارات والملاجئ واعتزل المجتمع واشتغل بنفسه، وماأجمل تصوير القرآن تلك الأوضاع العابسة المحرجة حينما قال: «وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها»(آل عمران/۱۰۳)
لم يرفع إنسان القرن السادس الميلادي رأسه إلى الآخرة شأن البقرات والحمير الحمول بل وطأطأ رأسه ودخل في أغوار الجاهلية واللاأخلاقيّة وجعل يعبد الطغاة والأحجار والأشجار دون أن يستخدم فكره أوعقله ودون أن يميّز بين النافع وغيرالنافع فطلب مما لايسمع ولايبصر ولايغني عنه شيئا، فألقى نفسه إلى التهلكة .
إذ ولد رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ في هذه الأجواء الخانقة وكانت ولادته انفجار نور وتشعشع خير أضاء فيه قصور بصرى واهتزّت منه، وكان قبل بعثته يلقب بالأمين في بيئة تنتهب الأموال وتنتهك الأعراض، فيودع أهل مكة ودائعهم عنده ويأمنون به ويحكمونه في أهم أمورهم كوضع الحجر الأسود، وكان هذا مؤذنا بأن الأزمات سوف ينتهي دورها وأن الظلمات تتبدّد وتتحوّل إلى نور وضياء وأنّ الشقاوة قد حان أجلها وسوف تكون إشراقات وبصيص نور يبدد جميع الرزايا والكوارث كما تفاءل كثير من أهل زمانه.
نعم ولد رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ وبولادته ويمن قدومه، بدأت ولادة عالم جديد بهرت العقول سرعة انقلابه وتحوله من السلبية إلى الإيجابية ومن الشر إلى الخير وأشرق جيل أهدوا للإنسانية العز والكرامة، والصدق والشرف، والعدل والنجابة، والإيثار والتضحية.
فاستسلمت البلاد والعباد لهذا الجيل المؤمن بعد أن كانت تغلب عليه بعنف وشدة وتضطهده بأنواع من العذاب،فسخر الله لهذه الفئة المؤمنة الأرض في أقل من نصف قرن وصيّرهم سادتها .
هذا كله ترتب بعد أن خضعوا لتعاليم الرسول وانقادوا لها، فولادة رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ كانت نقطة تحول في حياة البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور، فلتعرف حقوق هذا الرسول المبجل المعظم بوصف أمر الله تعالى بها، قال الله ـ تعالى ـ : «فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون»(الأعراف/۱۵۷)
فهناك حقوق تجاه رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ لابد من أدائها وهي الإيمان به، وتعزيره ونصرته واتباع القرآن الكريم،الإيمان بالرسول ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ يشتمل على الاعتراف بنبوته وأنه خاتم النبيّين وأنه لانبيّ بعده واعتناق سننه وتفضيلها على سائر السنن والعادات مهما شق التغلب على الرسوم والعادات القوميّة والطائفيّة التي أثرت عن الآباء والأجيال، ولنا أسوة في المقولة التي ارتجل بها سيدنا أبوذر الغفاري وكانت منبعثة عن الإيمان ومنطوية على الحب العميق بالرسول ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ حينما رجع إلى قومه بعد إسلامه وطعنوه في إزاره سخرية واستهزاءً فقال دون أيّ تمهل وتردد شأن الحب الحقيقي : «هكذا وجدت إزار صاحبي رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ»
تعزيره ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ يتجلى في تعظيمه ومنعه عن بثّ الشبهات حول رسالته ـــ عليه الصلاة و السلام ـــ والذب عنها بكل حول وطول والتعريف الصحيح عن سيرته وعن الدين الذي جاء به ليتسنّى لكل إنسان يريد التمييز أن يعرفه بكل وضوح، خاصّة في العصر الراهن مع وجود المستشرقين الذين لايراعون في المسلمين إلّاً ولاذمّة ويسعون ليشوّهوا صورة الإسلام بتشويه سيرته ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ ونفث السموم في عقول الناشئة والناس.
وانتصاره ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ يكون بجلب المنافع له ولايحصل ذلك إلّا بنصرة دينه ورسالته والتعاليم التي أثرت عنه والدعوة الصافية الصريحة إلى الإسلام والتفاني والمعاناة في سبيل ذلك وإيقاظ المشاعر الدينية بوخز الضمائر وإلقاء الخطب والمحاضرات وعقد مؤامرات وندوات بكل الإمكانيّات القديمة والحديثة من الجولات وتأليف الكتب وإصدار الصحف والمجلّات واستخدام القنوات والإذاعات والتخطيط الدقيق الشامل لجميع المستويات السنية من الطفوليّة والمراهقة والشباب للبنين والبنات .
والإيمان بالقرآن من أهم حقوق رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ ، ما ضحّى لأجل تبليغه وتمكينه في القلوب حياته ونفسه وبذل في سبيل ذلك مهجته وقلبه فعلى المسلم أن يؤمن بالقرآن ويتّبعه ويجعله ميزانا لتبيين الرشد من الغيّ ويغامر لتبليغه بين الأمّة حتى يقتنعوا به ويحكموه في أمورهم بأسرها .
فمخطئ من يظن أن رسول الله ـــ صلى الله وعليه وسلم ـــ يقدر شأنه بنصب المصابيح وتعليقها في الطرق وإعطاء الحلويات وإطعام الناس ببسط الموائد والسفر وعقد المحافل والمجالس في مولده ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ لأن الصحابة الذين عرفوا في التاريخ البشري بالحب العميق لرسول الله ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وتركوا لأجله آباءهم وأبناءهم وعشيرتهم وكانوا رهناء إشارته، يقتتلون لأجل وضوئه، مااحتفلوا بمثل هذه الرسوم المبتدعة، بل قاموا تجاهه ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بهذه الحقوق وأدّوها كما هي ولم يفرّطوا، فهم القدوة لاغير، فجزاهم الله خيرا .فيطالب القرآن المسلم الواعي المتحمّس لدينه ونبيّه في هذه الظروف القاسية التي اختلط الحابل بالنابل وتكاثفت السحب المظلمة وتلبّدت، أن يقوم بدوره ويصحو من غفوته وسباته العميق ويعرف لهذا الرسول المعظم حقه كما وصفه الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين