ختاماً نقول: إنّ صنيع الإسلام الذي أوجبه قبل أربعة عشر قرنًا هو غاية ما تستطيعه دول الحضارة اليوم، وإنّ زوال الرق هو أحد الهدايا التي أهداها الإسلام للإنسانية، ثم انظر هل تقدمت البشرية بعيدة عن وحي الإسلام، أم إنها ظلّت تنحدر وتتأخّر حتى لتحتاج اليوم إلى قبس من هدي الإسلام يخرجها من الظلام؟!

أعلن الأعداء -منهم منكروا الأديان، وجماعات المستبشرين، والمستشرقين- منذ اليوم الأول هجومهم وعداوتهم على الإسلام، وفي هذا المنطلق يشنّون هجمات عنيفة ضد الإسلام ليشوّهوا وجهه، وينشروا دعوتهم بين شباب المسلمين التائهين في معرض الأفكار، وبين مَن جهلوا دينهم، فصدّقوا ما قيل لهم عنه، ولا شك أنّ مسألة الرق من أقوى الحملات العصرية التي يروّجها المروّجون ويشيعها كثيرون؛ ولكنهم في الحقيقه لا يعرفون الكوع من البوع فضلاً عن إيراد الطعن في الإسلام، وكأنهم لا يعلمون أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي شرع للأرقاء والعبيد شِرعة لم يسبقه إليها أي دين من الأديان.
ونريد هنا أن نعرض المسألة في حقيقتها التاريخية بعيدًا عن الغبار الذي يثيره هؤلاء -بعون الله-
أولًا: كيف عاملت الأمم الرقيق:
كانت أحوال الرق عند الأمم القديمة في أسوأ صورة وأفظعها.
في مصر:
بنيت الأهرام -التي تعدّ من العجائب السبعة في العالم- على أكتاف العبيد والأرقّاء، والمعلومات التاريخية التي تحكيها لنا الآثار هائلة تدهش السامعين، وتنبئ بأكبر ظلم وقع في تاريخ مصر على البشرية أو في التاريخ على الإطلاق، وإليكم بعضها:
تم استخدام ما يقرب من ٢٫٣٠٠٫٠٠٠ مربع حجري ضخم منحوت بدقة لا توصف لتشييد الهرم الأعظم من الأهرامات الثلاثة باسم «هرم خوفو» ويصل وزن كل حجر إلى ٢٫٥٠٠ كيل، فالأحجار المستخدمة في هذا الهرم فقط يصل وزنها إلى ٥٫٧٥٠٫٠٠٠٫٠٠٠ كيل، وأظهرت الدراسات أن أقرب مصدر محتمل لتوفير الأحجار يبعد عن مكان الهرم بـ٦٠ كيلومترا
اختلفت النظريات حول ما تطلبته الأهرامات من اليد العاملة لبنائها، ولكنها وصلت تقريبًا إلى حوالي ١٠٠٫٠٠٠ شخص.
أدى اكتشاف مدينة للعمال في جنوب هضبة الجيزة إلى تكوين فكرة أولية عن عدد العمال المستخدمين في بناء الأهرامات، وهي وجود عدد كبير من الحرفيين والبنائين المهرة الذين يعملون بشكل دائم (ليلًا ونهارًا) على بناء الأهرامات.
وتمّ اكتشاف بعض الجنائز للعمال يُرى في بعضعها قطع الأنامل، أو انكسار العمود الفقري، أو تحطم عظام الأيدي والأرجل مما ينذر بفظاعة الاعتداء المفروض على المستبعدين.
في اليونان:
كان نظام الرقيق رائجًا في اليونان، وكانت تقام للعبيد أسواق النخاسة، وملئت بيوت الحكام والأثرياء من العبيد والإماء. قسّم فلاسفة اليونان الجنس البشري إلى قسمين: حرّ بالطبع، ورقيق بالطبع، وكانوا يزعمون أنّ الثاني خُلق لخدمة الأول.
يرى أفلاطون -ويوافقه تلميذه أرسطو على ذلك- حرمان العبيد من حق المواطنة والسكونة وإجبارهم على الخضوع للأحرار.
الرومان:
سجّل التاريخ أقسى المعاملة وأوحشها مع الأرقاء للرومانيين وهنا وقفة عند حقائق التاريخ، ففضائع الرق الروماني في العالم القديم لم يعرفها تاريخ الإسلام.
كان الرقيق في الرومان «شيئًا» لا بشرًا، ليس له كيان البشر ولاحقوقهم. وكان الاسترقاق يتمّ عن طريق الغزو، ولم يكن هذا الغزو لمبدأ، وإنما كان سببه الوحيد شهوة استعباد الآخرين؛ لكي يعيش الروماني عيش الترف واللذة. كانوا يعملون في الحقول والمزارع مقيدة أرجلهم لمنعهم من الهرب، وكانوا يطعَمون إبقاءً على وجودهم ليعملوا، لا لأنّ من حقوقهم أن يأخذوا حاجتهم من الغذاء، ولم تكن هذه حالة الرومان فقط؛ فالوضع في جزيرة العرب وبلاد فارس والهند لم يكن أحسن حالًا، كان عبيد هذه المجتمعات يُلاقون ما يُلاقي إخوتهم من العذاب والإهانة وهدر الكرامة الإنسانية في المجتمع الروماني.
في أوربا:
لم يُلغَ الرق في أوربا إلا في القرن التاسع عشر وكان في الحقيقة إلغاءًا لاسترقاق الأوربيين فقط، وتحويلًا للتسلط تجاه إفريقيا وآسيا.
كانت الملكة إليزابيت الأولى تشارك في الاتّجار بالرقيق، وكانت شريكة لـ»جون هوكنز» أعظم نخاس في التاريخ، وقد رفعته إلى درجات عالية.
وفضلًا عن الرق بسبب الحرب، فقد كان من الأساليب المعهودة والمنتشرة في أحداث الرق:
١- سرقة الأطفال.
٢- خطف الرجال والنساء في حوادث قطع الطرق.
٣-الغارات المحلية.
٤-الطبقية
٥- عدم وفاء الدين.
٦-استعباد المذنبين.
الإسلام والرقيق:
جاء الأسلام في القرن السابع والرق منتشر في العالم، متفشّ بين العرب. لم يُلغ الإسلام نظام الرق مباشرة بعد ظهوره، لكنه ألغاه بطريقة مدروسة ومناسبة مع الوضع الراهن، وهذه الطريقة هي تضييق المدخل وتوسيع المخرج.
تضييق المدخل:
لقد جفّف الإسلام منابع الرق القديمة كلها فيما عدا منبعًا واحدًا، لم يمكن أن يجففه وهو رق الحرب. ولقائل أن يقول: لِمَ لَم يلغ الإسلام الرق مباشرة بعد ظهوره؟
فلأسباب نوجزها:
١- المعاملة بالمثل: كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب، وجاءالإسلام والناس على هذا الحال، ووقعت بينه وبين أعدائه الحروب، فكان الأسرى المسلمون يسترقّون عند أعداء الإسلام، فتسلب حريتهم، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم، وتنتهك أعراض النساء، فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه بينما أهلك وأتباع دينك يعذبون عند
هؤلاء الأعداء. وعلى الرغم من ذلك فلم يكن تقليد الإسلام الدائم هو استرقاق الأسري. فقد أطلق الرسول-صلى الله عليه وسلم- بعض أسرى بدر من المشركين منًّا بغير فداء وأطلق بعضهم لقاء فدية.
٢- إن للإسلام فلسفة وحكمة في معالجة الأمور التي ليست أصلًا من أصوله، ففي معالجة هذه الأمور تتطلب فلسفة الإسلام رفقًا وأناةً حتى يصل الإسلام إلى أهدافه دون حدوث اضطراب آخر.
توسيع المخرج:
اعتبر الإسلام الرق عارضًا، ففتح الأبواب ليعيد الحرية إلى العبيد وهذه الأبواب هي:
١- العتق:
حض عليه ووعد بالأجر العظيم لفاعله، قال الله تعالى: «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ».(سورة البلد ٨-١٢)
قال رسول الله -صلى اللّٰه عليه وسلم-: «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار»
٢- جعل الإسلام الرق وسيلة للتكفير عن يمين حنث فيها الإنسان أو التكفير عن بعض الذنوب.
۳- التدبير: وهو أن يوصي السيد بأن يكون عبده حراً بعد موته.
۴- المكاتبة: وتسهيلاً لعتق الأرقاء جعل الإسلام للرقيق حق المكاتبة وهو أن يشتري حريته من سيده تجاه مبلغ مقرر من المال، إن قلت: لِم لا يوهب الأسير الحرية بعد إسلامه؟ قلت: خشي الإسلام أكاذيب المنافقين حيث يُظهر أحدهم الإسلام حتى إذا نجا بنفسه عاد إلى قومه يحمل السلاح ليسيء إلى من أحسنوا إليه، وإذا كان المرء صادقا في إسلامه يلبث قليلًا في قيده ثم يطلق في منفذ من المنافذ السابقة.
معاملة الرقيق في الإسلام:
كثير من الغربيين يزعمون أن الإسلام عامل الرقيق معاملة الرومان واليونان -أي معاملة سيئة في غاية الظلم-؛ ولكنهم حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء. إن الباحث في نصوص القرآن والسنة لن يجد فيهما نصًّا واحدًا يحثّ على الاسترقاق أو يأمر به، بل على العكس من ذلك جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تأمر وتحث على إعتاق الرقاب وتجعله من أفضل العبادات وتقرنه بالإيمان بالله وصالح الأعمال. منها: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ…». (بقرة ١٧٧).
يقول غوستاف لوبون: لا يكاد المسلمون ينظرون إلى الرقيق بعين الاحتقار. جاء الإسلام ليرد لهؤلاء البشر إنسانيتهم، جاء ليقول: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ»، جاء ليقول من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه ومن أخصى عبده أخصيناه.
كان من شدة عناية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمماليك أن آخر كلمة نطق بها قبل وفاته كانت في الحث على أداء حقوقهم. كان المسلمون يعدّون العبيد جزءًا من أسرتهم، ويطعمونهم من طعامهم، ويعاملونهم أحسن معاملة لا يوجد لها نظير في تاريخ العالم الإنساني، ولعلّ من أروع ما وصل إليه حال الرقيق في الإسلام ما ذُكر مِن أنّ الخليفة «عمر بن الخطاب» -رضي الله عنه- سافر إلى بيت المقدس ومعه غلامه، ولم يكن معهما إلا ناقة واحدة وكانا يركبانها على التناوب إلى أن اقتربا من تلك المدينة، فكانت النوبة للغلام أن يركب فأركبه عمر وسعى خلفه ماشيًا، فخشي «أبو عبيدة» -أميرالجيش في الشام- أن يحتقر المستقبلون أميرالمؤمنين عمر، فكشف له عمّا في نفسه ورغب إليه ليركب الناقة ويجر العبد الناقة، فأجابه في إيمان بالله -عز وجل-: «نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزّة في غيره أذلنا الله».
وكان رق العبيد سائدا بين الصحابة، قال الدكتور علي محمد محمد الصلابي: كان سيدنا عثمان رضي الله عنه يعتق كل جمعة رقبة في سبيل الله، فجميع ما أعتقه ألفان وأربعمائة رقبة تقريبًا، ولنحك هنا ما ذكره العلامة نوّاب صديق حسن خان عن النجم الوهاج أنه: أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثا وستين نسمة عدد سني عمره، وأعتقت عائشة -رضي الله عنها- تسعا وستين، وأعتق أبوبكر -رضي الله عنه- كثيرًا، وأعتق العباس سبعين عددا، وأعتق عثمان -رضي الله عنه- وهو محاصر عشرين، وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوّقين بالفضة، وأعتق عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- ألفاً وأعتق ذو الكلاع الحميري في يوم واحد ثمانية آلاف عبد، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة، فهؤلاء ثمانية رجال فقط، قد أعتقوا تسعة وثلاثين ألفاً وثلاث مائة واثنتين وعشرين رقيقًا ٣٩٣٢٢، تستطيع أن تقيس عليه مدى سخاوة المسلمين في إعتاق عبيدهم ومَن كان هذا حاله في الإعتاق كيف لا تكون معاملته بعبيده الأرقّاء معاملة أخوية كريمة؟
ختاماً نقول: إنّ صنيع الإسلام الذي أوجبه قبل أربعة عشر قرنًا هو غاية ما تستطيعه دول الحضارة اليوم، وإنّ زوال الرق هو أحد الهدايا التي أهداها الإسلام للإنسانية، ثم انظر هل تقدمت البشرية بعيدة عن وحي الإسلام، أم إنها ظلّت تنحدر وتتأخّر حتى لتحتاج اليوم إلى قبس من هدي الإسلام يخرجها من الظلام؟!
  • الكاتب: مصطفی أحمدي