فصارت هذه المرأة يضرب بها المثل: في الشحّ والاشتغال بغير الأهم وغير الأولى والغفلة والانخداع وأصبحت قصتها سُبّة لقومها حتى هجا رجل قومها فقال: «أنَاسٌ رَبَّةُ النِّحْيَيْنِ منهم».

قصة ذات النحيين قصة مشهورة وقد سارت به الركبان حتى صارت مضرب المثل، وتفصيلها: أن امرأة مغفَّلة كانت تبيع السمْن وبيديها نحيان ممتلئان سمْنا، فرآها رجل فدنا منها وحياها وسألها عن ثمن السمْن فأخبرته، فقال: سأنظر فيهما وأبتاعهما منك إن أعجبني مذاقهما وطعمهما. ففتح إحدهما وغرز إصبعه فيه وذاق طعمه وشمّ رائحته وقال: قد رأيت فيه ما أحب، سأفتح الآخر وأتذوقه وأشمّه وأشتري النحيين بكل ما فيهما إن أعجبني الثاني، ففتحه يتذوقه ويتشممه، والمرأة الساذجة تنظر والفرح قد غمر قلبها، والسرور لمس فؤادها، وانفرجت أسارير وجهها وتلألأ برق الطمع في طلعتها، وافترّت عن أسنانها، وكانت ملامحها تعبر عما يراودها: سأبيع النحيين لمشترٍ واحدٍ وسأربح ربحًا عظيمًا في بضع ساعات؛ ما أكرم هذا الرجل الذي يريد أن يشتري نحيين كبيرين ممتلئين سمنًا في موقف واحد، يبدو أنه رجل ميسور كثير المال والعيال والنوال!
والرجل كذلك قد خالطه البطر مما سيمكر بها، واستبدت به الغُلمة، فناولها كلا النحيين وشغل يديها ونال منها ما يشاء وداس كرامتها ووقع في عفتها ودنّس طهرها وهي لا تدفعه ولا تقوم بشيء؛ فإن النحيين الممتلئين هما كل ما تملك ولا شيء عندها أغلى منهما، فأمسكت بهما وما تركتها على أن تداس كرامتها ويُنال من عرضها.
ثم انصرف الرجل وقد أخذته العزة بالإثم، وأخذ يُنشد مزدريًا لعقلها وسذاجتها وغفلتها، ومبجّلا لمكره وحيلته وكياسته:
شَغَلْتُ يَدَيْهَا إذْا أرَدْتُ خِلاَطَهَا
 بِنِحْيَيْنِ مِنْ سَمْنٍ ذَوَيْ عجَرَاتِ
فكان لها الويلات من ترك سمنها
 ورَجْعَتها صِفْراً بغير بَتَاتِ
فَشَدَّتْ على النِّحْيَيْنِ كَفّاً شَحِيحَةً
 على سَمْنِهَا والْفَتْكُ من فَعَلاَتِي
فصارت هذه المرأة يضرب بها المثل: في الشحّ والاشتغال بغير الأهم وغير الأولى والغفلة والانخداع وأصبحت قصتها سُبّة لقومها حتى هجا رجل قومها فقال: «أنَاسٌ رَبَّةُ النِّحْيَيْنِ منهم».
إن هذه القصة قد أضحكت الكثيرين، وهذا شأن قصص المغفّلين والهزليات والفكاهيات، لا تُسرد إلا لأن يَغرق المخاطَب في الضحك وينسى همومه؛ ولكن الأسف يصل إلى الغاية، والآهات والويلات تخيّم على الإنسان، والسيل يبلغ الزبى إذا صارت الهزليات حقائق حياة أمة، وإن الناصح البصير يصعّد الزفرات من أعماقه لما يرى أن عددًا كبيرًا من أمة أصبحوا يلعبون دور المغفل في رواية الحياة.
إن هذه القصة قصة ذات النحيين لتكون أضحوكة ما بقيت بين السطور؛ ولكنها إذا تحققت في واقع حياة أمة أصبحت ويلًا عليها ومأساة لها.
إذا يتصفح الدارس أحوال الأمة الإسلامية يرى أنهم قد صاروا أضحوكة وألعوبة تُتناقل بين أيدٍ شرّيرة متحالفة ومتعاضدة ويرى أنهم قد عضوا بنواجذهم على ما لا يحقق لهم صلاحًا ولا عزة ولا غلبة، وقد أهملوا أمورا تضمن لهم الفوز في الدنيا والآخرة.
لا ينتهي الأمر إلى هذا الحد، بل هناك ما يزيد الأمر فظاعة ويزيد الطين بلّة وهو أن المصلح لو غلب على المفسدين فاز وفازوا، ونجا وأنجى؛ ولكن لو غلب المفسدون على المصلح الناصح المخلص لهلكوا وخسروا.
قال -صلى اللّٰه عليه وسلم-: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا».
ما أجمل وأدق هذا الوصف للداعي إلى الفلاح، لو غلب على من يقتحم النارَ وهزمهم وردهم على أعقابهم فازوا، ولو عجز عن ردهم وغلب أهل الباطل عليه لهلكوا «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ»
أقول مزيدًا لتطبيق هذه القصة على واقع الأمة: كما أن ذات النحيين أمسكت بنحييها وما رمت بهما في موقف حرج وقفت فيه بين الكرامة والخساسة، والطهارة والقذارة، والشرف والشره، والتجمل والجشع، فخابت ورسُبت وضعُفت واستكانت وآثرت المال على الكمال والجمال، وصار النحيان ويلًا عليها وكارثة لها وشغلها الفرع الخسيس عن الأصل النفيس؛ وكذلكم الأمة الإسلامية قد شغلتها خصلتان عن درء الأعادي ونفي المكائد ودمْغ الدسائس، وجعلها أضحوكة تتناقلها ألسن الأعداء.
قال رسول اللّٰه -صلى اللّٰه عليه وسلم-: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ».
فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْت». (سنن الترمذي)
إن هذا الوصف الدقيق والتحليل العميق ليستحق ما لا يسع الأدباء والكتاب من الثناء والإشادة. حسبك يا رسول اللّٰه من الثناء والإجلال قوله تعالى: «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ»
إن أمة ابتُليت بهاتين الآفتين «حب الدنيا وكراهية الموت» فهي بلا شك تقاسي آفات متعددة تتولد من الآفتين الأصليتين.
هذه الأمة المصابة بحب الدنيا وكراهية الموت تعاني قطع صلة الأرحام، والبخل، والتباعد، والتنافر، والتقاعد عن التناصر والتعاون والتكاتف، ويظهر فيها التنابذ والتهارش والتشاتم والتهاون والتقاعس، وتنبذ القيم وتتناسى وتتناوم وتتجاهل.
ماذا أحدثكم عن فظاعة هذا الداء العضال المرعب الفتاك؟!
تصور حال شعب يتنازل عن قيمه ومعتقداته كلما عارضت حبه للدنيا أو كراهيته للموت، هذا الشعب يفضل أن يحيى خاسئًا ولا يموت أبيًّا، ويختار البقاء في الزاوية على اقتحام الميدان، ويؤثر الحياة الآمنة في المستنقع على المخاطرة في المأسدة.
إن الإنسان لو انجرد من القيم وتعرى عن الأخلاق السامية ينحطّ إلى الدرجة البهيمية بل أضل وأذل، والمسلم لو تجرد عن إسلام يعلو ولا يعلى عليه، إسلامٍ ينافي حب الدنيا وكراهية الموت أو فقد الكمية الكافية منه كيف يتمنى أن تسلَّم إليه الزعامة؟!
الحق أن أمة الإسلام ممتازة عن سائر الأمم بإيمانها وإسلامها وما فيهما من الطاقة والحيوية والمناعة، وأنهما رأس مالها؛ فإذا خسرتهما تساوت مع سائر الأمم في ساحة العَدد والعُدد والآلات والمعدّات والمكائد والحيل؛ فبقيت وحدها وقد أتاهت طاقته الإيمانية والعدو شاكي السلاح متسلح بالطاقة النووية. فأنى لها أن تعلو وتظهر وتظفر؟!
إن ما أقوله ليس نتيجة صدفة ومجازفة؛ بل حاصل تنضيد وتنسيق لآيات وأحاديث -يستسلم ويندهش ويذهل أمام دقتها وعمقها وإيجازها المتأمل فیها، وربما يستحيي من شرحها وإطناب الكلام عنها؛ لما يرى فيها من إقناع وكفاية وإيجاز ودقة وعمق ومطابقة بالغة مع الواقع- قد ذكرت بعضها ولمّحت إلى بعضها، وسأذكر بعضها لحسن الختام وإتمام الفائدة:
قال اللّٰه تعالى: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»
«وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ»
«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ»
وقال -صلى اللّٰه عليه وسلم-: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود
قد كان يرى الرعيل الأول من هذه الأمة الفوز في الشهادة ورأت آخرها الفوز في إجراء الاتفاقيات مع من صرح العليم الخبير بعداوتهم ووصفهم بقوله: «لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» واتبعت سننهم شبرًا بشبر وذراعا بذراع ودخلت جحر الضب كما قال -صلى اللّٰه عليه وسلم-: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟
قَالَ: «فَمَنْ؟!» (رواه البخاري)
فهانت في أعين الأعداء وأصبحوا يعبثون بها، ويتسلون بذكر مواقفهم معها، ويتسامرون بحكايات ما بثوا فيها من الخلافات والنزاعات؛ فيستبعدون كونها على الحق فتكون أحوالها فتنة لهم
«عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»
  • الكاتب: عبدالمجید خدادادیان