المذاهب الإسلامیه مدارس فقهیة قد تأسست على أيدي علماء عظام اشتهروا بالعلم والاجتهاد والصلاح والتقوی، ولهم مولفات عديدة وفقهیة قیمة. والذین عجزوا عن استنباط الحکم من المنابع الأصلیة علیهم أن یرجعوا إلى  أهل الفقه ویسألوهم؛ وهذا السوال قد یکون مشافهة، وقد یکون بمراجعة کتبهم المولفة الموثوق بها التي بمتناول أیدیهم.

الحمد لله والصلاة والسلام علی رسول الله وبعد؛قال الله تعالی: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿۴۳﴾. نحل، أنبياء٧.
قد دارالكلام في الأعداد الماضیة من هذه الفصلیة حول الفقه والفقهاء بإیجاز وأنا الیوم أرى من المناسب أن ألفت نظركم إلى نكتة مهمة  قد أكثر الناس الكلام حوله دفاعا عنه وهجوما علیه، واشتدت الخصومة فيما بینهم، وهو قضیة التقلید، بینما هم متفقون في أمر الاتباع والاجتهاد
ذهب قوم إلى عدم جواز التقلید، وأوجبوا على کل مکلف الاجتهاد وتعلم وسائله وأدواته؛ وذهب قوم إلى جواز التقلید مطلقا للمجتهد والعاجز عن الاجتهاد؛ وذهب قوم إلى التفصیل وقالوا بجواز التقلید للعاجز عن الاجتهاد، والتحریم لمن یقدر علیه؛
والراجح هذا القول الأخیر.
ولأن المسألة واضحة غیر غامضة لا ینبغی أن تکون مثار جدال ونقاش؛ لأن المطلوب من کل مسلم مکلف أن یکون مطیعا لله ولرسوله امثتال ابالنصوص الکثیرة الصریحة؛ من ذلك قول الله تبارك وتعالی: «اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ»الاعراف۳. وقوله: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»الحشر۷. وقوله عز وجل: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»آل عمران۱۳۲. وكذلك: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا»النساء۶۵.
فالواجب طاعة الله وطاعة رسوله بالذات وبالأصالة؛ والطاعة لا تتحقق إلا بالرجوع إلى نصوص القرآن والحدیث، واستخراج الأحکام منهما بعد الوقوف علی مرادها؛ فإن لم یجد المکلف الحکم مصرحا فی النصوص فیُضطر الی اللجوء إلى الاجتهاد، فیجتهد في إطار الشریعة؛ ولا شك أن هذا السلوك یستلزم الإدراك والمعرفة، وإن عجز عن التعرف على الحکم بهذا الطریق فعلیه أن یعمل ولا یهمل؛ فيرجع إلى أهل العلم ويسألهم عن حکم تلك الواقعة الحادثة، ولا یفترض أن یسأل عالما معینا؛ لأن الله تعالی لم یقیده بذالك، ولا التزام بدون إلزام شرعي، وإنما عليه أن یتحرى الأعلم، الأفضل، الأورع؛ لأن ذلك قدرته، ولا یکلف الله نفسا الا وسعها.
الاجتهاد:
الاجتهاد واجب على كل من کان أهلا للاجتهاد، وأهل
الاجتهاد من  قامت فیه ملکته، وتوفرت فیه أسبابه ووسائله.
وما وصل إلیه هذا المجتهد بالبحث والتنقیر في الدلیل فهو الحکم الشرعي في حقه، ویجب علیه أن یلتزم بذلك الحکم، ولا یجوز له تركه؛ فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر؛ ولكن إذا تغیر اجتهاده في المسألة ذاتها؛ فعلیه أن یعمل باجتهاده الجديد، ویترك قوله القدیم، ولو کان   الاجتهاد مخالفا للنص القطعی؛ فإنه یُنقض، ولا عبرة للاجتهاد المناقض للنص الصریح؛ لأنه لم يكن في الواقع اجتهادًا
المجتهد:
المجتهد هو من توفرت فیه أهلیة الاجتهاد، والقدرة علی استنباط الأحکام الشریعة العملية من أدلتها التفصیلیة؛ إذن لا یعتبر الشخص فقیها مجتهدا إذا عرف الأحکام الشرعية بقراءته   ودراسته الکتب الفقهیة، أو بالتلقي من أفواه العلماء.
وقد عد العلماء شروطا للمجتهد:
۱- معرفة اللغة العربیة. ۲- معرفة آیات الأحکام ۳- معرفة أحادیث الأحکام ۴- المعرفة بأصول الفقه ۵- المعرفة بمواضع الإجمال ۶- المعرفة بمقاصد الشریعة ۷- الاستعداد الفطري للاجتهاد.
والمراد من هذا الشرط أن یکون عند من یرید الاستنباط استعداد جبلي للاستنباط؛ بأن یکون ذا ذهن ثاقب، وإدراك لطیف، وصفاء ذهن، ونفاذ بصیرة، وحدة في الذکاء.
ولو وجدت الشروط الستة ولم یوجد الاستعداد الفطري فلا یصیر الشخص مجتهدا کمن تعلم اللغة العربیة، وعرف أوزان الشعر لا یکون شاعرا إذا لم یکن فیه استعداد فطری لإنشاد الشعر.
الاجتهاد بابه مفتوح؛ لا مطلقا:
الاجتهاد باق إلى یوم القیامة، ولیس مخصوصا بزمان دون زمان ومکان دون مکان، وما أفتی به بعض العلماء بسد باب الاجتهاد سببه صیانة الشریعة من عبث العابثین وأدعياء الاجتهاد.
دور المذاهب الإسلامية التفسير لا التشريع:
المذاهب الإسلامیه مدارس فقهیة قد تأسست على أيدي علماء عظام اشتهروا بالعلم والاجتهاد والصلاح والتقوی، ولهم مولفات عديدة وفقهیة قیمة. والذین عجزوا عن استنباط الحکم من المنابع الأصلیة علیهم أن یرجعوا إلى  أهل الفقه ویسألوهم؛ وهذا السوال قد یکون مشافهة، وقد یکون بمراجعة کتبهم المولفة الموثوق بها التي بمتناول أیدیهم.
المذاهب الاسلامیة الحالیة لیست أدیانا ناسخة  للاسلام؛ بل هي وجوه لتفسیر الشریعة وفهمها، والکل یهدف الوصول إلى ما نزل الله وما
شرّعه.
وعلینا کمسلمین أن نعرف أقدار المجتهدین أصحاب المذاهب الإسلامية، ونحترمهم، وندعو لهم، ونعتقد أنهم مأجورون إذا أصابوا أو أخطأوا؛ امتثالا لامر الله عزوجل.
«وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا
غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ»الحشر۱۰.
فالغرض من هذا الوجیز أن نکون بین الإفراط والتفریط، ولا نتکل على الآخرین، ونجلس مطمئنین متواکلین؛ بل نأخذ للأمر أهبته، وللسفر زاده، ونکون نافعین قبل أن نکون مستمدین
رزقنا الله وإياکم توفیقا للقیام بالواجب الشرعي، ولا يجعلنا مخذولين بمنه وكرمه!
  • الكاتب: عبد الواحد مومني (عليبايي)