في فصول التاريخ، تأتي أحيانًا لحظات لا تُقاس بالساعات أو الأيام، بل بقدرتها على إحداث تحوّلٍ لا رجعة فيه. لحظات قصيرة في المدى الزمني، لكنها تعيد تشكيل الوعي الإنساني، وتغيّر مسار التاريخ إلى الأبد.كان السابع من أكتوبر إحدى تلك اللحظات؛ لحظة تجلّي النور في قلوب البشر الميكانيكيين في عالم اليوم. من قلب الحصار، خرج شعبٌ […]

في فصول التاريخ، تأتي أحيانًا لحظات لا تُقاس بالساعات أو الأيام، بل بقدرتها على إحداث تحوّلٍ لا رجعة فيه. لحظات قصيرة في المدى الزمني، لكنها تعيد تشكيل الوعي الإنساني، وتغيّر مسار التاريخ إلى الأبد.
كان السابع من أكتوبر إحدى تلك اللحظات؛ لحظة تجلّي النور في قلوب البشر الميكانيكيين في عالم اليوم. من قلب الحصار، خرج شعبٌ أعزل، لكنه متسربلٌ بالإيمان، فكشف الستار عن وجه نظامٍ كبّل العالم بقيود المادية والنفاق. شعبٌ أعزل لكنه ممتلئ باليقين، فضح أكبر كذبة في التاريخ: كذبة الحضارة التي سمت نفسها “الإنسانية”، وهي في الحقيقة تبيع الإنسان في مزاد المصالح.

غزة، في يومٍ واحد، أصبحت مركز العالم؛ لا بسبب الجغرافيا، بل لأن صوت الإنسان الحقيقي انبعث منها، من أولئك الذين لم يعودوا قادرين على احتمال الإذلال والنسيان. ما بدأ لم يكن مواجهةً عسكرية فحسب، بل كان مرآةً وُضعت في يد الذين نسوا أن ينظروا إليها طويلاً. وفجأة، رأى الناس في تلك المرآة ظلمة ذواتهم، وأدركوا أن ما كانوا يُمجّدونه باسم “النظام الإنساني” لم يكن سوى قناعٍ شفاف على وجهٍ باردٍ وقاسٍ للسلطة.

كل تلك البُنى الدولية العظيمة التي ادّعت لعقودٍ أنها “ملاذ المظلومين” انهارت أمام أطفال غزة.
الأمم المتحدة، مجلس الأمن، منظمات حقوق الإنسان، وحتى الهيئات المدافعة عن حقوق المرأة — جميعها سقطت في امتحان غزة. لم يستطع مجلس الأمن أن يحقق العدالة، ولم تسمع الأمم المتحدة صرخة الأطفال، ولم تجرؤ منظمات حقوق الإنسان حتى على لفظ كلمة “إبادة جماعية”. أدرك العالم أن هذه المؤسسات لم تُنشأ من أجل العدالة، بل من أجل الحفاظ على توازن القوى. كشفت غزة أنها ليست سوى أقنعة جميلة على وجهٍ فاسدٍ من القسوة والتمييز.

رأى العالم بعينيه أن دم الأبرياء، إن كان من “العالم الثالث”، لا قيمة له، وأن الحقّ محصورٌ في مصالح الغرب. رأى العالم أن الحداثة قد حوّلت الكذب إلى قانون.

الولايات المتحدة، راعية “النظام العالمي والحداثة”، رأت في مرآة غزة وجهها الحقيقي: إمبراطوريةٌ متعبة، ممزّقة بين الشعار والواقع. من جهةٍ تتحدّث عن الحرية والأخلاق، ومن جهةٍ أخرى ترسل القنابل لتدمير أولئك الذين تزعم أنها تدافع عنهم.

إن الغرب اليوم، في ذروة العلم والتكنولوجيا، غارقٌ في فقرٍ روحيٍّ ومعنوي. يصنع الذكاء الاصطناعي، لكنه عاجزٌ عن فهم الضمير الإنساني. يطلق الصواريخ ليأتي بالعدالة والكرامة!
حضارةٌ تملك كل أدوات التقنية، لكنها فقدت بوصلتها الأخلاقية، ليست سوى شكلٍ جديدٍ من البربرية والنازية.

لقد كشف السابع من أكتوبر الوجه المظلم للحداثة، وفضح تناقضها الأكبر: بلوغ قمة العلم والقوة بثمن فقدان الإنسانية.

لم يكن السابع من أكتوبر حربًا بين جيشين، بل مواجهةً بين رؤيتين للعالم: في جانبٍ حضارةٌ أقصت الله من المعادلة وحوّلت الإنسان إلى أداةٍ للربح والسيطرة، وفي الجانب الآخر شعبٌ حوّل إيمانه إلى سلاحٍ، وأثبت أن المعنى يأتي من السماء، لا من السوق.
أظهر السابع من أكتوبر أن الحداثة التي تجعل العقل أداةً للحساب والمصلحة، وتُقصي سؤالَي “لماذا؟” و”لمن؟”، إنما تمهّد طريقها إلى الفناء.
فالحضارة المبنية على المنفعة وحدها، عاجلًا أم آجلًا، تفقد معناها الوجودي.

يمكن اعتبار السابع من أكتوبر نهاية كذبةٍ كبرى؛ الكذبة التي أقنعتنا أن الحضارة تعني التقدّم المادي، والثروة، والقوة.

لم يعد العالم قادرًا على العودة إلى الوراء، لأن الحجاب قد سقط، والحقيقة انكشفت عاريةً:
السابع من أكتوبر قد وضع المرآة في أيدينا؛ والآن الخيار لنا — هل نحطمها، أم نواجه أنفسنا بها لنُشفى؟

  • نویسنده : ابن المجاهد