لقد أثبت التاريخ أنّه لا قوّة عسكريّة ولا فلسفة عقليّة ولا رؤية علميّة استطاعت أن تستأصل جذور الإيمان بالله. وعلى خلاف مزاعم العالم الحديث في القضاء على الدين، فإنّ الواقع المُعاش يُظهر أنّ فوران الدين في عالم اليوم أصبح من أبرز القضايا وأشدّها جذباً للاهتمام. فخلافاً لتوقّعات علماء الاجتماع في القرن الماضي، لم يُقصَ الدين من حياة البشر، بل ازداد حضوره قوّةً ورسوخاً. وإنّ تأسيس مراكز علم الأديان في أعتى الجامعات والمؤسّسات ذات التوجّهات اليساريّة شاهدٌ مهمّ على ذلك. ويرى «فيشر» (Fisher) أنّ عودة الإسلام إنّما هي نتيجة فشل الليبراليّة والاشتراكيّة.
منذ سنوات، يُشعَر بسيادة الجوّ الفكري والفلسفات الماديّة في المجتمع. وهناك مَن يسعى إلى إحلال برامج بشريّة محلّ الدين، وجعل العقل أداةً تُستَعمل في غياب الله تعالى.
وقد شغلت هذه الهواجس عقول الناس وأذهانهم مدّةً من الزمن، غافلين عن أنّ فكرة الإيمان بالله ومعرفته حقيقةٌ لا يمكن إنكارها، وهي تُظلّل جميع مجالات الحياة. فموضوع الإيمان بالله ومعرفته كان على الدوام من القضايا المشهورة في تاريخ البشريّة. ويرى عالم الاجتماع البريطاني «أنتوني غيدنز» (Anthony Giddens) أنّه لا يُعرَف مجتمع قط لم يوجد فيه شكل من أشكال الدين، وإن اختلفت المعتقدات والممارسات الدينيّة والثقافات.
لقد أثبت التاريخ أنّه لا قوّة عسكريّة ولا فلسفة عقليّة ولا رؤية علميّة استطاعت أن تستأصل جذور الإيمان بالله. وعلى خلاف مزاعم العالم الحديث في القضاء على الدين، فإنّ الواقع المُعاش يُظهر أنّ فوران الدين في عالم اليوم أصبح من أبرز القضايا وأشدّها جذباً للاهتمام. فخلافاً لتوقّعات علماء الاجتماع في القرن الماضي، لم يُقصَ الدين من حياة البشر، بل ازداد حضوره قوّةً ورسوخاً. وإنّ تأسيس مراكز علم الأديان في أعتى الجامعات والمؤسّسات ذات التوجّهات اليساريّة شاهدٌ مهمّ على ذلك. ويرى «فيشر» (Fisher) أنّ عودة الإسلام إنّما هي نتيجة فشل الليبراليّة والاشتراكيّة.
إنّ الأيديولوجيّات كالشيوعيّة والماديّة والاشتراكيّة لم تقدّم حلولاً مناسبةً للمسائل الأخلاقيّة والإيمانيّة والنظام الاجتماعي، بل دفعت الغرب إلى هاوية العدم والهلاك الروحي. ويصرّح «صموئيل هنتنغتون» (Samuel P. Huntington)، أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة هارفرد، في مقالته «صدام الحضارات» أنّ الدين هو السمة المركزيّة لتعريف الحضارة. فالتديّن أمر يتجاوز الإطار العائلي أو الحتم الجغرافي.
وفي عصرنا نشأ علم جديد يُسمّى «علم اللاهوت العصبي» (Neurotheology) أي «علم الأعصاب الديني»، وهو يبحث في علاقة الظواهر العصبيّة بالتديّن. ويكتب الدكتور «دين هَيمر» (Dean Hamer) في كتابه «جين الله» (The God Gene): «إنّ الإيمان بالله ذو أصل جيني». ويقول: «إنّ عقوداً من حكم الشيوعيّة في بعض البلدان لم تستطع أن تمنع إقامة الشعائر الدينيّة أو إقبال الناس على الدين، لأنّ الدين حاجة فطريّة في الإنسان».
والميزة الفريدة لمعرفة الله في الإسلام هي طابعها الاستدلالي. فالشرائع السابقة كانت تعرض الأحكام الدينيّة بشكل تعبّدي دون سندٍ صحيح أو برهان واضح. وفي مثل ذلك الجوّ ظهر الإسلام وأحدث تحوّلات عظيمة.
ومن المناسب في ختام هذه المقدّمة الإشارة إلى أنّ الإنسان المعاصر يواجه نوعين من القضايا: قضايا وجوديّة وقضايا غير وجوديّة. فالإجابة عن القضايا غير الوجوديّة تقع على عاتق العلوم البشريّة مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا وعلم الاجتماع… أمّا القضايا الوجوديّة فالإجابة عنها في نطاق الدين واللاهوت.
طرق معرفة الله
1 ـ المعرفة الفطريّة بالله:
كلّ إنسان بحسب فطرته لديه إدراك بوجود الله تعالى. فقبل أن يتسلّح بالعقل الاستدلالي، وقبل أن تصله تعاليم الوحي، يحمل في ذاته حسّاً فطريّاً نحو الإيمان بالله. وهذه المعرفة من نوع «العلم الحضوري» لا تحتاج إلى برهان أو استدلال. وهي وإن كانت قيّمة، وتشكّل أساساً لمعرفة أعمق، إلّا أنّها وحدها لا تكفي لتعميق الإيمان أو الإجابة عن الشبهات؛ إذ إنّ الأفكار مهما كانت أصيلة، إذا لم تستقرّ بالتحقيق والاستدلال، تعرّضت للاضطراب أمام تقلبات الحياة وأزماتها الفكريّة والروحيّة.
2 ـ المعرفة النقليّة بالله:
ومن طرق معرفة الله أن نرجع إلى كيفيّة تعريفه لنفسه في الوحي، أو إلى ما ورد عن أئمّة الدين من أقوال في ذلك. ولا تتحقّق هذه الطريقة إلا بعد إثبات صحّة هذه النصوص وصدق الوحي، وهو أمر مسبوق بإثبات وجود الله وصفاته.
3 ـ المعرفة العقليّة بالله:
في هذا الطريق تكون جميع القضايا بحاجة إلى برهان عقلي. وهذه الطريقة نافعة من وجهين:
أ ـ لمن يشكّ في هذه القضايا.
ب ـ ولتوسيع المعرفة بالله وتعميمها.
والمعرفة العقليّة تقي الإنسان من خطر التقليد الأعمى. وتظهر أهميّتها حين نرى أنّ القرآن الكريم لم يكتفِ بطرح أصول العقائد، بل أقام البراهين على صحّتها وحقّانيتها.
ثمار معرفة الله
1 ـ النموّ الشامل للإنسان: فالإيمان بالله يقود الإنسان في جميع المجالات نحو الكمال والرقيّ، كتنظيم الفكر والعقيدة، وترسيخ المبادئ الأخلاقيّة، وتوثيق الروابط الاجتماعيّة، وإلغاء التمييز العنصري…
2 ـ الطمأنينة الروحيّة: فالكافر بالله لا يؤمن بالآخرة، فيعيش قلقاً مضطرباً إذ يرى نفسه مقبلاً على الفناء، ولا يجد ما يُشبِع عطشه إلى الخلود. أمّا المؤمن بالله والآخرة فينال طمأنينة عميقة ورضاً داخليّاً. وكلّما ازدادت معرفة الإنسان بربّه ازدادت طمأنينته. وهو لا يتعلّق بالدنيا، بل يرى الموت جسراً يوصله إلى آماله العليا.
3 ـ الإحساس بالمسؤوليّة: فالمؤمن بالله يعلم أنّ صغير أموره وكبيرها معروض بين يدي الله، ولذا يعيش دائماً بإحساسٍ بالمسؤوليّة تجاه محيطه.
4 ـ تنمية العواطف الإنسانيّة: إنّ الأزمة العاطفيّة في الغرب ـ التي يُسمّيها بعض الخبراء «الطاعون المتفشّي» ـ إنّما هي ثمرة الابتعاد عن الله. فغياب الروحانيّة جعلهم يُعوّضون نقص العاطفة بمصاحبة الحيوانات، وصارت العلاقات باردة جامدة، تفرّق بين الناس. أمّا الإيمان بالله فيقرّب القلوب ويؤلّف بينها.
5 ـ الغاية والهدف: فكلّ إنسان سليم الطبع يطرح على نفسه أسئلة كبرى: من أين جئت؟ ولماذا وُجِدت؟ ومن أرسلني؟ وإلى أين المصير؟ وهذه الأسئلة لا يستطيع الحسّ ولا العقل وحدهما أن يُجيبا عنها، وإنّما الإيمان بالله وحده يقدّم الجواب الشافي.
وفضلاً عمّا تقدّم، فإنّ من ثمار الإيمان بالله مقاومة الظلم، ونشر العدل… ومن هنا فإنّ العقل يحكم بأنّ سبيل بلوغ مقام الإنسانيّة إنّما هو بمعرفة الله تعالى.
- نویسنده : مصطفی احمدي



Tuesday, 27 January , 2026