وللعلم بالشرق تاريخ طويل يمتد إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وله عوامل متعددة: دينية، سياسية، واقتصادية. وأما العامل الديني فهو واضح جليّ، إذ أن هدف المستشرقين هو التبشير ونشر المسيحية. فهم يسعون لإظهار الإسلام بطريقة تثبت فيها أفضليّة المسيحية على الإسلام، ومن خلال ذلك يهيئون التوجه للطبقات المتعلمة نحو المسيحية. ولهذا السبب كانت الدراسات الشرقية والتبشير المسيحي دائمًا متلازمتين، وغالبية المستشرقين كانوا أساقفة، وعدد كبير منهم من اليهود.

المستشرقون والعلماء الغربيون هم أولئك الذين كرّسوا حياتهم للبحث في العلوم الإسلامية. وهذه الفئة من الأشخاص لهم مكانة متميزة في المراكز السياسية والعلمية في الشرق والغرب. وقد ظل هؤلاء العلماء يرفعون شعار «إصلاح الدين» و«إصلاح الشريعة الإسلامية».

وللعلم بالشرق تاريخ طويل يمتد إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وله عوامل متعددة: دينية، سياسية، واقتصادية. وأما العامل الديني فهو واضح جليّ، إذ أن هدف المستشرقين هو التبشير ونشر المسيحية. فهم يسعون لإظهار الإسلام بطريقة تثبت فيها أفضليّة المسيحية على الإسلام، ومن خلال ذلك يهيئون التوجه للطبقات المتعلمة نحو المسيحية. ولهذا السبب كانت الدراسات الشرقية والتبشير المسيحي دائمًا متلازمتين، وغالبية المستشرقين كانوا أساقفة، وعدد كبير منهم من اليهود.

وأما العامل السياسي، فهو أنّ المستشرقين يمثلون طليعة الغرب في الشرق، ومن مهامهم أن يقدموا المعلومات للغرب ليتمكّن من معرفة عادات ولغات ومعتقدات وحتى مشاعر الشرق، ومن ثم توسيع نفوذه في هذه المنطقة. إضافة إلى ذلك، فإن المستشرقين أدوات فعّالة للقضاء على التيارات والأفكار التي قد تشكل إزعاجًا للغرب. فهم يسعون لإقامة فضاء في المشرق يخلو من أي اختلاف مع المجتمع الغربي، ويركزون اهتمامًا خاصًّا على سيطرة الحضارة الغربية على المشرق، ليؤثروا من خلالها على الجميع ويخلدوا سلطة حضارتهم وثقافتهم في القلوب. ولهذا السبب أدركت الدول الغربية أهمية وجود المستشرقين، وقدموا لهم الدعم بأشكال مختلفة، من خلال نشر المجلات والأبحاث التحليلية والعلمية، ومن أهم هذه المجلات: مجلة «الشرق الأدنى Journal Near East» و«العالم الإسلامي The Muslim World» من أمريكا، ومجلة «Lemond Muslim World» من فرنسا.

وأما العامل الاقتصادي، فهو العامل الذي يعتبره الكثير من المثقفين وظيفة ناجحة. فقد شجع العديد من الناشرين المؤلفين على الكتابة في موضوعات تتعلق بالإسلام والشرق، وأشرفوا مباشرة على هذه الأعمال، لأنها تحقق أرباحًا كبيرة ولها جمهور واسع في أوروبا وآسيا.

بعيدًا عن هذه العوامل، فإن بعض المثقفين قاموا بأبحاث بارزة عن الإسلام والشرق بدافع حب العلم والاطلاع، ولا يمكن إنكار جهودهم أو التقليل من شأنها. وبفضل جهود المستشرقين، تم تنظيف العديد من العلوم والمعارف النادرة التي غطتها غبار السنين، وحُفظت من التلف، ونُشرت مصادر علمية وقيم تاريخية للمرة الأولى، مما أسعد العلماء والباحثين.

ولكن، رغم الاعتراف بعلم المستشرقين، أقول بصراحة إن هؤلاء الأشخاص، على الرغم من تعمقهم في العلوم القرآنية والحديثية والسيرة والفقه والأخلاق والتصوف… كانوا دائمًا خالين من مفاهيم العلم واليقين، وبسبب العداء والحقد تجاه الإسلام، اتسع الشرخ بينهم وبين هذه العلوم. وأهم سبب في نشوء هذا الشرخ هو التحامل المستشري للمستشرقين وسعيهم لتضخيم مواطن الضعف لأغراض سياسية ودينية. فهم يديرون ظهورهم لمحاسن الإسلام ويبحثون عن العيوب.

ولو اقتصر تأثير المستشرقين السلبي على أنفسهم، لما كان هناك مجال للنقاش. لكنهم يسعون دائمًا لجعل القشة جبلًا، وجذب انتباه القارئ إليها، وقد بلغوا في هذا الفن درجة عالية من الخبرة لا مثيل لها. ومنهجهم هو أن يحددوا هدفًا لأنفسهم، ثم يستخدموا أي وسيلة من التاريخ والأدب والشعر والقصة—سواء كانت صحيحة أم خاطئة—لتضخيم معلومات غير موثوقة، ويقدموها للقارئ بكل وقاحة وجرأة، ويبنون عليها نظريات ضعيفة وزائفة.

وعادة المستشرقين أن يغرسوا شكًّا في مسألة واحدة بين عشر مسائل صحيحة، بحيث عندما يقرأ القارئ العشر مسائل الصحيحة، يثق بالمستشرق، ويستسهل أن يُزرع الشك في قلبه، فيتزعزع اعتقاده، ويذهب أثر كل ما قرأه من خير. وقد وضع العديد من المستشرقين في كتاباتهم قدرًا كبيرًا من السموم الفكرية لتثير الشك في ذهن القارئ تجاه معتقداته.

وقد تناول المستشرقون في أبحاثهم المواضيع التالية: القرآن، الحديث، السيرة، الفقه، الكلام، الصحابة، التابعين، الأئمة المجتهدين، المحدثين، الفقهاء، الشيوخ، الصوفية، رواة الحديث، علم الجرح والتعديل، أسماء الرجال، صحة الحديث وتدوينه، مصادر الفقه الإسلامي… وكل واحد من هذه الموضوعات قد يؤدي إلى زعزعة عقيدة الفرد غير المتخصص في كل مجال من هذه المجالات.

  • نویسنده : الإمام ابوالحسن ندوي ـ رحمه الله ـ